فهرس الكتاب
أنهم الفرارون بدينهم، أو الذين يفرون بدينهم من الفتن، و أنهم أناسٌ صالحون قليل في أناس سوء كثير، و من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، و أنهم الذين يُصلِحونَ إذا فسد الناس، و أنهم الذين يتمسكونَ بكتاب الله حين يترك و يعملون بالسنة حين تُطفى، و أنهم الذين يحييون ما أمات الناس من سنة النبي صلى الله عليه و سلم، و هذه الأوصاف المختلفة من النبي صلى الله عليه و سلم للغرباء، و إن كانت تظهر من جهة عظم الدور الذي يقوم به هؤلاء الغرباء في أزمنة الغربة في القيام بأمر الله و الثبات عليه، فإنها من جهة أخرى تظهر عِظم غربة هؤلاء و شدّتها، و عظم صبرهم عليها، و قد نُقل عن سيد العباد بعد الصحابة (أويس القرني) ، أنه قال: (إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقًا، نأمرُهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا، و يجدون في ذلك أعوانًا من الفاسقين، حتى و الله لقد رموني بالعظائم، و أيم الله لا أدعُ أن أقوم فيهم بحقه) [سنن أبي داوود 4341] .
فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبًا كما بدأ، لأن المؤالف فيه على وصفه الأوّل قليل، فصار المخالف هو الكثير، فاندرست رسوم السنة حتى مدّت البدع أعناقها فأشكل مرماها على الجمهور فظهر مصداق الحديث الصحيح كما بيّن ذلك الشاطبي، رحمه الله.
فقد ذكر الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم أن غربة القائمين بأمر الله، الثابتين عليه، قد تشتد و تستحكم إلى أن يصبح حال هؤلاء الغرباء كحال القابض على الجمر.
فعن أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل القبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله) ، قالوا يا رسول الله: أجر خمسين منهم؟ فقال صلى الله عليه و سلم: (أجر خمسين منكم) [نحوه في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي] .
و في تشبيهه صلى الله عليه و سلم المتمسك بدينه الصابر عليه، بالقابض على الجمر،