فهرس الكتاب
دلالات هامة، منها:
أولًا: شدة غربة الدين و شدة غربة أهله القائمين به.
ثانيًا: شدة و عظم و هول ضغط الواقع على هؤلاء القائمين بأمر الله لصرفهم و فتنتهم عنه.
ثالثًا: عظيم صبر هؤلاء القائمين بأمر الله، و عظيم ثباتهم في هذه الغربة الحالكة.
رابعًا: أن اشتداد الغربة في الدين و أهله القائمين به إلى الدرجة التي تجعل العبد كالقابض على الجمر، ليس مبررًا للنكول و النكوص عن أمر الله و الحيدة عنه، و التفريط فيه، و أنّه ليس هناك غير الاستمرار في القبض على الجمر.
و لما قيل للإمام أحمد أيّام المحنة: (يا أبا عبد الله أولا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل، قال: كلا، إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلال، و قلوبنا بعدُ لازمةٌ للحق) .
خامسًا: أن ضغط الواقع الشديد من هذه الغربة المستحكمة، لا يدفع بغير الصبر، لا بالأخذ في بُنيّات الطريق و العدول عن الجادّة، و لذلك كلّه نسب النبي صلى الله عليه و سلم هذه الأيام للصبر، و إنما نُسبت كذلك لأن العبد بدون الصبر، بل و الصبر العظيم الذي يضارع صبر القابض على الجمر، هيهات هيهات أن يسلَمَ له دينه، مع هذه المحن و الأهوال التي تحيط به من كل جانب، و قد جاء عن حذيفة - رضي الله عنه - أنه أخذ حجرين، فوضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: (هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله ما نرى بينهما من النور إلا قليلًا، قال: و الذي نفسي بيده، لتظهرن البدع حتى لا يُرى من الحق، إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، و الله لتفَشُونَّ البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا: تُرِكت السنة) .