فهرس الكتاب
و مما يدفع به أهلُ الطائفة المنصورة فتنة ضغط الواقع أو فتنة الغربة: استعلاء الإيمان، حيث تمتلئ صدورهم و نفوسهم بالعزة التي جعلها الله لأهل دينه دون غيرهم، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء:139] ، و قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يونس:65] ، فالعزة كُلها لله وحده وليس لمن حادّ الله و رسوله و دينه فيها أدنى نصيب، و إن ملكوا أسباب السماء و الأرض، و قد قال تعالى في صفة أوليائه القائمين بدينه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54] .
فهم ينضحون بالعزة في وجه أعداء الدين و إن كانت لهم الغلَبة، و و إن كان لهم السلطان المادي، إذ العزة بالإسلام لا بغيره، و في مقابل وصف أهل الإيمان بالعزة، قال تعالى في حق المحادّين له و لرسوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} [المجادلة:20] .
و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (الإسلام يعلو و لا يُعلى) [حسن، صحيح و ضعيف الجامع الصغير] .
و للحديث قصة ذات دلالة هامّة، فعن عائذ بن عمرو أنه جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب، و رسول الله صلى الله عليه و سلم حوله أصحابه، فقالوا هذا أبو سفيان و عائذ بن عمرو، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (هذا عائذ بن عمرو و أبو سفيان، الإسلامُ أعز من ذلك، الإسلامُ يعلو و لا يُعلى) ؛ فمجرّد تقديم اسم الكافر على اسم المسلم منافٍ لعلو الإسلام، بل مجرد العلو المكاني لا ينبغي أن يكون لغير أهل الإسلام، و إن كانت الدولة و الجولة لأعدائهم، ففي غزوة أحد و بعد أن دارت الدائرة على المسلمين، علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (اللهم إنهم لا ينبغي لهم أن يعلونا) ، فقاتل عمر بن الخطاب و رهطُ معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل.