فهرس الكتاب
و من اللطائف ما جاء في تفسير قوله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} [آل عمران:153] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الغم الأول بسبب الهزيمة وحين قيل قتل محمد صلى اللّه عليه وسلم، والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم:(اللهم ليس لهم أن يعلونا ) ) ؛ فمجرد علو الكفار المكاني على المسلمين، رغم كون الهزيمة من نصيبهم، و الدائرة عليهم مما يصيبهم بالهم و الغم، فالمسلم الحق تمتلئ نفسه و تفيض بكل معاني العلو المطلق، بما خصه الله تعالى و شرّفه به دون سائر خلقه، و إن كان في أبعد حالاته عن النصر و التمكين، و هذا ما ترسخ في نفوس الصحابة رضي الله عنهم.
فعن طارق بن شهاب، قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام و معنا أبا عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة و عمر على ناقة له، فنزل عنها، و خلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، و أخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا!! تخلع خفيك، و تضعهما على عاتقك، و تأخذ بزمام ناقتك و تخوض بها المخاضة، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك) ، فقال عمر - رضي الله عنه: (أوّه، لو يقل ذا غيرك يا أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد صلى الله عليه و سلم؛ إنّا كنّا أذلّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) [المستدرك 207] .
و قد خاطب الله تعالى المؤمنين، عند الحديث عن ما نزل بهم من البلاء، و ما جرى لهم من إدالة عدوهم منهم، فقال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:139 - 142] .
فنهى الله عباده المؤمنين عن الوهن و الحزن، رغم ما نزل بهم من البلاء و المحنة، و رغم أن