فخاخًا وأشراكا، لا يتدلى إلى الأدنى إلا إذا عجز عن الأعلى، فيبدأ له بنصب فخ الشرك والكفر فإن نجا منه، نصب له شَرك البدعة، فإن جاوزه أعد له شَبكة الكبائر، فإن تخطاه أعد له شَرك الصغائر، فإن نجا شغله بالمباح، فإن عجز ترصد وكمن له في عقبة العبادات المفضولة، فشغله بها وحسنها بعينه وزينها له و أراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحا، لأنه لمّا عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية، فشغله بالمرضي عن الأرضى له، فيشغله بطلب علم الكفاية عن فرض العين من الجهاد، ويزين له جهاد الدعوة وقد انفتح باب جهاد السيف على مصراعيه).
وقد قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة:19] .
وقديمًا قال أئمتنا: (ليس الفقيه الذي يعرف الخير، وإنما الفقيه الذي يعرف خير الخيرين) .
وقد خرّج ابن المبارك بإسناده عن صفوان؛ أن أبا هريرة قال: (أيستطيع أحدكم أن يقوم فلا يفتر و يصوم فلا يفطر ما كان حيا؟) فقيل: (يا أبا هريرة من يطيق هذا؟) ، قال: (والذي نفسي بيده إن نوم المجاهد في سبيل الله أفضل منه) .
فهذه درجة نائمهم فكيف قائمهم؟!
وإذا كانت هذه رتبة غافلهم فكيف بعاملهم؟!
وإذا كان هذا خطر شراك نعالهم فكيف بخطير أفعالهم؟!
تالله إن هذا لهو الفضل المبين، لمثل هذا فليشمر المشمرون، وعلى فواته فليبك العاجزون المقصرون، وعلى ضياع العمر فليحزن المفرطون.