فكم من الأحباب يارب اصطفيتهم واتخذتهم من بيننا وحرمتنا من ذلك بذنوبنا ... اللهم فلا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم وألحقنا بهم.
وإن كنت أنسى ... فلا أنسى في هذا المقام إخواننا الشهداء رحمهم الله الذين كانوا معنا في السراء والضراء وصبروا معنا على لأواء الطريق.
وعلى رأسهم الأخ الحبيب الغالي الشهيد الحي -نحسبه كذلك والله حسيبه- أبو عبيدة عبد الهادي دغلس؛ فوالله ما رزءت بمصيبة -بعد أن هداني الله- بمثل فقد هذا الأخ، هذا الأخ الذي كنت استصغر نفسي أمامه لفرط شجاعته وإقدامه وصبره وحسن خلقه ... فعلى مثل عبد الهادي فلتبكِ العيون ... فعلى مثل عبد الهادي فلتبكِ العيون.
فكلما تذكرته تذكرت حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه أحمد وابن حبان، عن ابن مسعود أنه قال: (عجب ربنا من رجلين - وذكر منهما - رجل غزا في سبيل الله، فانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام، وماله في الرجوع، فرجع حتى يهريق دمه، فيقول الله لملائكته؛"انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى يهريق دمه") .
فيوم أن اضطر المجاهدون إلى أن يخلوا مواقعهم نتيجة القصف الشديد والمتواصل أبى أن يرجع، وتبايع على الموت -هو وثلة من إخوانه- وانغمسوا في العدو نسأل الله أن يتقبلهم.
ماتوا وغُيّب في التراب شخوصهم *** فالنسر مسك والعظام رميم
فوالله لقد كان جبلًا من الجبال، وأسدًا من الأسود، وعابدًا من العباد، وزاهدًا من الزهاد، ترى الصلاح في وجهه، مسعّر حرب لو كان معه رجال، لا تأخذه في الله لومة لائم، شديدا ً على أعداء الله، رحيمًا وبرًا بإخوانه.