فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 943

قال ابن جرير: (يَقُول: وَمَا أُرِيد أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْر ثُمَّ أَفْعَل خِلَافه، بَلْ لَا أَفْعَل إِلَّا مَا آمُركُمْ بِهِ وَلَا أَنْتَهِي إِلَّا عَمَّا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [تفسير الطبري]

وتأمّل مليًّا قوله تعالى في قصة نبيه الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسُفَ عليه السلام: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:36] فرؤيتهما له عليه السلام من المحسنين هي التي دعتهما للركون إليه والثقةِ في قوله، فكان حاله عليه السلام أسبق وأسرع وأشد في التأثير في نفسهما من مقاله، بل كان هذا الحال هو الأساس الذي قامت عليه دعوة المقال بعد ذلك.

إن للفعل تأثيرًا في النفوس يفوق تأثير القول المجرد مما يجعل استجابتها للفعل أكثر من استجابتها للقول، وقد قامت الدلائل الكثيرة على ذلك، منها ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: (اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني اتخذتُ خاتمًا من ذهب فنبذه، وقال إني لن ألبسه أبدا فنبذ الناس خواتيمهم) [البخاري 6754] .

وقد استنبط أهل العلم من هذا الحديث؛ أن الفعل أبلغ من القول.

ومما يدل على ذلك أيضًا ما جاء في قصة صُلح الحديبية، وفيها: (فلما فُرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالِقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالِقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلِقُ بعضا) . [البخاري 2529]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت