فهرس الكتاب
من عظُمت منزلته وشخصت الأبصارُ إليه ليس كغيره من الخاملين الذين لا يأبه لهم، إذ الأول محل النظر والاقتداء دون الثاني.
قال ابن القيم: (فقواعد الشرع تقتضي أن يسامح الجاهل بما لا يسامح به العالم، وأنه يغفر له ما لا يغفر للعالم، فإن حجة الله عليه أقوم منها على الجاهل، وعلمه بقبح المعصية وبغض الله لها وعقوبته عليه أعظمُ من علم الجاهل، ونعمة الله عليه بما أودعه من العلم أعظم من نعمته على الجاهل، وقد دلت الشريعة على أن من حبي بالإنعام وخصَّ بالفضلِ والإكرام ثمَّ أسام نفسه مع ميل الشهوات فأرتعها في مراتع الهلكات، وتجرأ على انتهاك المحرمات، واستخفَّ بالتبعات والسيئات أنه يقابل بالانتقام والعتب بما لا يقابل به من ليس في مرتبته) . اهـ.
فالقاعدة هنا؛ أنه كلما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم لخصوصية المنزلة والمحل.
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال إني نهيتُ الناس عن كذا وكذا، وإن الناسَ ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسمُ بالله لا أجد أحدًا فيكم فعله إلا أضعفت فيه العقوبة.
بل إن الداعية قد لا يسعه ما يسع الناس لخصوص منزلته، وخصوص ما نصَّب نفسه له، وعلى هذا جرى الدعاة الهداة.
قال الإمام الأوزاعي: (كنا نضحك ونمزح، فلما صرنا يُقتدى بنا خشيتُ أن لا يسعنا التبسم) أ. هـ.
وقال القاضي عياض: (لا ينبغي لمن يُقتدى به إذا ترخّصَ في أمرٍ لضرورة أو تشدّد فيه بوسوسة، أو لاعتقاده في ذلك مذهبًا شذّ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة الجهلة؛ لئلا