فهرس الكتاب
فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة كما قال إبن القيم عليه رحمة الله: (وقد ذم أتباع الرجال بغير حجة قائمة غاية الذم بل وجعل ذلك من أعظم أسباب الإعراض عن دينه الذي أنزله وارتضاه) .
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة:170 - 171]
قال القرطبي: قال علمائنا وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد ونظيرها: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [المائدة:104] .
قال الشوكاني في قولهم: {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [المائدة:104] : (وقد صارت هذه المقالة التي قالتها الجاهلية نصب أعيُن المقلدة، وعصاهم التي يتوكؤون عليها إن دعاهم داعي الحق، وصرخ لهم صارخ الكتاب والسنة، فاحتجاجُهم بمن قلدوه ممن هو مثلهم في التعبد بشرع الله، مع مخالفة قوله لكتاب الله أو لسنة رسوله، هو كقول هؤلاء وليس الفرق إلا في مجرد العبارة اللفظية، لا في المعنى الذي عليه تدور الإفادة والإستفادة) .
وقال الشوكاني في قوله: {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان:21]
ما أقبح التقليد وأكثر ضرره على صاحبه وأوخم عاقبته وأشئم عائدته على من وقع فيه، فإن الداعي له إلى ما أنزل الله على رسوله كمن يريد أن يذود الفراش عن لهب النار لئلا تحترق فتأبى ذلك وتتهافت في نار الحريق وعذاب السعير) انتهى كلامه.
وهذه الآيات السابقة؛ إن كانت قد نزلت أساسا في الكفار إلا أنها تشمل بعمومها كل من عرف الحق بالرجال موافقة لهم وتقليدا بغير حجة من الله وبرهان، أيا كان محل التقليد