فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 943

كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين).

وقيل للإمام أحمد رحمه الله: (إن قوما يدّعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان) فقال رحمه الله: (أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته ويدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [النور:63] ، وتدري ما الفتنة: الكفر؛ قال الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل} [البقرة:217] ، فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغلبهم أهوائهم إلى الرأي) . اهـ.

فأهل الطائفة المنصورة يتلمسون الحق من مظانه، فما أعياهم من حكم، أو نزل بهم من نازلة، طلبوا الحق من أصوله المستقرة لغير نظر منهم لما عليه الرجال من ذلك، أحياءًا كانوا أو أمواتا.

وأهل الطائفة المنصورة أول ما يحاكِمون إلى هذا الأصل أنفسهم، قبل أن يحاكموا غيرهم، فحاشاهم أن يكونوا أصحاب دعوة هم أول من يخالفها، وهم لذلك يضعون على هذا المحك أقوال وأفعال أقرب الناس وأحبه إليهم من شيخ أو عالم أو أمير و زعيم أو غيره أو غير ذلك من كل مطاع لهم ومتبع.

قال بن رجب: (وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له، وهو أن كثيرا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحا، ويكون مجتهدا فيه، مأجورا على اجتهاده فيه، موضوعا عنه خطأه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر في هذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث أنه لو قاله غيره من أئمة الدين لما قبله، ولا انتصر له، ولا والى من يوافقه، ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الإنتصار للحق، وإن أخطأ في اجتهاده وأما هذا التابع فقد شاع انتصاره لما يظنه الحق؛ إرادة علو متبوعه، وظهور كلمته، وأنه لا يُنسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الإنتصار للحق، فافهم هذا فإنه مهم عظيم، والله يهدي من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت