فهرس الكتاب
الكَرِيمِ، فَضُرِبَتْ أَعْنَاَقِهِم، وَ مِمَنْ قُتِلَ صَبْرًا جَمَاعَةٌ مُستَكْثِرُونَ مِنَ العُلمَاءِ وَ الأُمْرَاءِ وَ الأَكَابِرِ، وَ خَلَتْ بَغْدَادُ منَ أهلها، وَ دُثِرَتِ المَحَالُ، وَ اسْتَوْلَى عليْهَا الحريقُ، وَ احْتَرَقَتْ دارُ الخِلاَفَةِ، و الجَامِعُ الكَبيرُ، حتَّى وَصَلَتْ النَّارُ إلى خَزَاَنَةِ الكُتُبِ، وَ عَمَّ الحَرِيقُ جميعَ البِلادِ، وَ ما سَلِمَ إلا مَا فيهِ من هؤلاءِ الملاعينَ) ا. هـ.
وَ لم يقِفْ هؤلاء الرَّوَافِضُ الحاقدينَ في جَرَائِمِهمُ السِّيَاسِيَةِ عندَ حدِّ الإضْرَارِ بالخَلِيَفَةِ وَ حَاشيتِهِ لإسقاط الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ وَ حَسْب؛ بَلْ تمادَى ضَرَرُهُم إلى عَامَّةِ المُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوا يقْطَعُونَ الطُّرُقَ، وَ يَقْتُلُونَ الآمِنِينَ منَ النَّاسِ، وَ يأخُذُونَ القَوَافِلَ، بَلْ أخَذُوا يَبْتَكِرُونَ وَسَائِلَ مختَلِفَةً للْفَتْكِ بِالنَّاسِ وَ نَشْرِ الرُّعْبِ بَيْنَهُم، فَقَدْ بَلَغَ مِنْ جُرْأَةِ هَؤُلاء المُفْسِدِينَ أنَّهُم كَانُوا يَخْطِفُونَ النَّاسَ منَ الشَّوَارِعِ وَ الحَارَاتِ بأغرب الطُّرُقِ، وَ كَانَ الرَّجُلُ يَتْبَعُ خَاطِفَهُ مِن سُكُونٍ وَ الخَوْفُ مُلْجِمِهُ وَ الوَيْلُ لَهُ إنْ أَبْدَى مُقَاوَمَةً أو تحرَّكَ لِسَانُهُ طلبًا للنَّجْدَةِ، فَإِذَا فَعَلَ ذلك استقرَّّ خِنجرُ خاطِفِهِ في قَلْبِهِ. فَكَانَ الِإنْسَانُ إِذَا تَأَخَّرَ عنْ بَيْتِهِ عَنْ الْوَقْتِ المُعْتَادِ لرُجُوعِهِ تَيَقَّنَ أهلُهُ بأنَّ البَاطنِيَّةَ قَتَلُوهُ، فَيَقْعُدُوا للعَزَاءِ بِهِ، وَ يَسُودُهُمُ الحُزْنُ، وَ الأسَى حَتَّى يَرْجِعَ. فَأَصْبَحَ النَّاسُ لا يمْشُونَ في الشَّوَارِعِ مُنْفَرِدِينَ، وَ كَانُوا عَلَى غَايَةٍ منَ الحَذَرِ.
وَ يُصوِّرُ لَنَا المؤرِّخُ ابنُ الأثِيرِ صُوَرةً لما فعلَهُ البَاطِنِيَّةُ بمؤذنٍ خَطَفُوهُ فيقولُ: (وَ أَخَذُوا - البَاطِنِيَّة - في بَعْضِ الأيَّامِ مُؤذِّنًا أَخَذَهُ جَارٌ لَهُ بَاطنيّ فَقَامَ أهلُهُ للنِّيَاحَةِ عليه، فَأَصْعَدَهُ الباطنية إلى سَطْحِ دَارِهِ وَ أَرُوهُ أهْلَهُ كَيْفَ يَلْطمُونَ، وَ يَبْكُونَ وَ هَوُ لا يَقْدِرُ أنْ يَتَكَلِّمَ خوفًا منْهُم.) ا. هـ.
وَ مِنْ أسَالِيبِهم الأُخرَى الْتِّي استَخْدَمُوهَا لِلْفَتْكِ بأفْرَادِ المُجْتَمَعِ الإسْلاَمِيّ، وَ نَشْرِ الرُّعْبِ بينَهُم أنَّهُم كَانُوا يَخْطِفُونَ النَّاسَ بحيلٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَ يُحْمَلُون إلى منازِلَ وَ دُورٍ غيرِ مَعْرُوفَةٍ، حيثُ يَسْجُنونُهُم أوْ يقتُلُونَهُم، وَ كَانَ إِذَا مَرَّ بهمُ إِنْسَانٌ أَخَذُوهُ إِلَى إِحْدَى تِلْكَ الدُّورِ، وَ هُنَاك يُعَذِّبُونَهُ ثمَّ يَقْتُلُونَهُ وَ يَرْمُونَهُ في بِئْرٍ في تلك الدَّارِ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ الغَرَضِ.