فهرس الكتاب

الصفحة 740 من 943

خَنَسوا، بعد أن قدَّمَ له حُكام العَرَب مِن مُلوكٍ ورؤساء آيات الطاعة والولاء، والمذلة والاستخذاء، وكلٌ منهم يُحسِسُ على رأسه؛ متى يكون دوره لِيوضَع في رَمسِه.

هَجَمَ العدو على العِراق فجعل يعسف بالناس عَسفًا، و ينسِفُ القرى نسفًا، وأزيز الطائرات قد ملأ الآفاق، وصمَّ الآذان، و إنفجارُ البارودِ قد نَشَرَ الحُتوف، وأزكَمَ الأُنوف، وكانت الجبالُ تهتزُ وتميد من شدة القصف، فبلغت القلوب الحناجر، ولاذ أولو البأسِ والنُهى بأحلاسِ بيوتهم، ولم يحرِّضوا بِقول، ولم تحملهم أقدامهم من شدة الهول، واشرأب الباطل، ونَقَضَ المنافقون العهود، ووقفوا في خندق النصارى واليهود، وصار المسلمون كالغنم الشاتية، في ليلة مطيرة بأرض مسبَعَة.

وفي ظل تلك الأجواء الرهيبةِ الكئيبة، التي تَرى فيها أشباه زعماء ولا زعماء، وأشباه علماء ولا علماء، وأشباه رجال ولا رجال، إلا من رحم الله، في تلك الظروف العصيبة المزلزلة ظهرَ فارس الإسلام أبو مصعب الزرقاوي.

كمَثَلِ الليث مُفتَرِشًا يديه *** جريءُ الصَدرِ رئبالًا سِبَطر

ظهر ومعه ثلة من المؤمنين، كانوا سبعة عشر رجلًا، وليسوا سبعة عشر جيشًا، فتواثقوا وتعاهدوا، وعاهدوا الله تعالى أن ينصروا دينه، أو يهلكوا دونه، رِجالٌ و الرِجالُ قليلُ.

والناس ألف منهم كواحدٍ *** و واحدٍ كالألفِ إن أمر عَنا

ومن سيقاتلون؛ مثلهم في العدد أو مثليهم؟! كلا، أو حتى عشرة أمثالهم؟! كلا، إنها أمواجٌ كأمواجِ البحرِ من العتادِ وجنود الشر، ولكن من عَظُمَ حق الله في قلبه و رُزِقَ التوحيد تَميدُ الجبال الرواسي ولا يميد، فتَرَجَّل فارِسُنا حاملًا الراية، وعزَمَ على القتالِ إلى النهاية، فإما يذوق ما ذاقَ جعفرٌ أو يذوق النصر.

فأثبَتَ في مُستنقعِ الموتِ رِجلَهُ *** وقال لها مِن تحتِ أخمصُكِ الحشرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت