الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 - «بما روي أن حمزة - رضي الله عنه - كان عليه نمرة لو غطي رأسه بها بدت رجلاه، ولو غطيت بها رجلاه بدا رأسه، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغطى بها رأسه، ويوضع على رجليه شيء من الإذخر [1] ، وذاك زيادة في الكفن» [2] .
2 - «لأن الزيادة على ما عليه حتى يبلغ عدد السنة من الكمال، فكان لهم ذلك» [3] ، كما يفعل بغيره من الموتى، وإنما لا يزال عنه أثر الشهادة، فأما فيما سوى ذلك فهو كغيره من الموتى [4] .
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
بأن النصوص الواردة في الشهداء أمرت بدفنهم في ثيابهم، ولم يأت فيها أنهم زادوا شيئًا في كفنهم. قال الإمام مالك -رحمه الله-: «ما علمت أنه يزاد في كفن الشهيد أكثر مما عليه شيء» [5] .
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- في هذه المسألة أن السنة والأفضل دفن الشهداء بثيابهم التي أصيبوا فيها إذا كانت كافية للأحاديث التي تبين أن الشهداء كانوا يدفنون في ثيابهم من غير زيادة، كما في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- السابق، وفيه أن الشهيد «أدرج في ثيابه كما هو» [6] .
وكذلك في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- المتقدم وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ادفنوهم بدمائهم وثيابهم» [7] .
ولكن لو زيد في كفنه فإن ذلك جائز، لورود بعض الأحاديث التي تدل على ذلك، كما في حديث شداد بن الهاد - رضي الله عنه - في قصة الأعرابي الذي كفن في جبة النبي - صلى الله عليه وسلم - [8] .
أما استدلال الحنفية بأن حمزة - رضي الله عنه - كان عليه نمرة ... فالذي في صحيح البخاري أنه مصعب بن عمير - رضي الله عنه -، فعن خباب - رضي الله عنه - قال: «هاجرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير، ... قتل يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه إلا بردة، إذا غطينا بها رأسه
(1) الإِذْخِرُ: بكسر الهمزة: حشيشة طيبة الرائحة. النهاية: 1/ 33.
(2) بدائع الصنائع: 1/ 324.
(3) بدائع الصنائع: 1/ 324.
(4) المبسوط: 2/ 51، بتصرف.
(5) المدونة: 1/ 183.
(6) سبق تخريجه.
(7) سبق تخريجه.
(8) الحديث صحيح، وسيأتي كاملًا -إن شاء الله- عند مسألة الصلاة على الشهيد، ويخرج في موضعه هناك.