فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 201

المبحث الرابع

الإشكالات الواردة على جواز الانغماس في العدو (العمليات الاستشهادية) ، والإجابة عنها

الإشكال الأول:

أن مثل هذه العمليات تفضي إلى تلف الأرواح والأجساد، وقد حرم الله عز وجل ذلك، كما حرم الأسباب المفضية إليه. والأدلة على ذلك كثيرة، منها:

1 -قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] . فدلت الآية على حرمة قتل الإنسان نفسه، ويدخل في ذلك من يفجر نفسه، أو يسقط بطائرته، ... لأنها أسباب مفضية إلى قتل النفس.

2 -قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] . فالله سبحانه حرم على الإنسان أن يتعاطى ما يوجب هلاكه.

3 -قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينًا فحز بها يده، فما رقأ [1] الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة» [2] .

4 -إجماع أهل العلم على تحريم قتل النفس، فقد نقل ابن حزم الظاهري [3] -رحمه الله- ذلك فقال: «واتفقوا أنه لا يحل لأحد أن يقتل نفسه، ولا أن يقطع عضوًا من أعضائه، ولا أن يؤلم نفسه في غير التداوي بقطع العضو الألم خاصة» [4] .

الإجابة عن هذا الإشكال:

إن العمليات الاستشهادية إذا كان فيها مصلحة للمسلمين، وإعزاز الدين، وقهر الكافرين، فإنها من الجهاد المشروع، لأن الله أجاز هلكة النفس في هذا الموضع، قال ابن حجر: «وليس من أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب» [5] .

ولا حجة لمن استدل بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} على تحريم مثل هذه العمليات «لأنه قال تلو الآية المذكورة: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا} [النساء: 30] » . فقيده بذلك، وليس من أهلك نفسه

(1) رقأ: إذا سكن وانقطع. النهاية: 2/ 248.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم 3463.

(3) هو: الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد، أصله من فارس، ولد بقرطبة سنة 384 هـ، حافظ، فقيه، اعتمد مذهب داود بن علي الظاهري، له عدة مصنفات جليلة نافعة، منها: المحلى، مراتب الإجماع، الفصل في الملل والنحل. توفي سنة 479 هـ. انظر: وفيات الأعيان: 3/ 325، معجم المؤلفين: 7/ 16.

(4) مراتب الإجماع، لابن حزم، ص 157.

(5) فتح الباري: 6/ 40، نقلًا عن ابن بطال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت