المبحث الرابع
في حكم طلب الشهادة
الموت أمر لا بد منه، فالآجال محدودة، والأنفاس معدودة، ولذا كانت الشهادة والموت في سبيل الله أمنية كل مسلم، أن يختم الله له بمثل هذه الموتة الشريفة، ويبلغه منازل الشهداء.
ولذا فسوف نورد جملة مما ورد من نصوص شرعية وآثار تدل على هذا المعنى.
قال تعالى: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [آل عمران: 143] .
فقد جاء في تفسيرها بأنه تمني الشهادة، وفي تفسير آخر أنه: تمني لقاء العدو، وهما متقاربان، فإن تمني لقاء العدو يفضي إلى الشهادة غالبًا [1] .
وجه الدلالة من الآية: أن الله أثبت لهم هذا التمني وأكده بقوله: {ولقد} ، ولم ينكر عليهم فعلهم هذا.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل» [2] .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم: «من طلب الشهادة صادقًا، أعطيها ولو لم تصبه» [3] .
وعن سهل بن حنيف -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» [4] .
ففي هذه الأحاديث دلالة على استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير [5] .
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول -إذا ذكر أصحاب أُحُدٍ-: «أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نُحْصَ [6] الجبل يعني سفح الجبل» [7] .
(1) انظر: تفسير القرطبي: 4/ 142. تفسير ابن كثير: 1/ 386.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب تمني الشهادة، رقم 2797.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، رقم 1908.
(4) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، رقم 1909.
(5) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي: 13/ 55.
(6) نُحْصَ: بضم النون وسكون المهملة بعدها صاد مهملة مفتوحة. جاء في النهاية (5/ 28) : نحص فيه"أنه ذكر قتلى أحدٍ، فقال: يا ليتني غودرت مع أصحاب نحص الجبل"النحصُ بالضم أصل الجبل وسفحه، تمنى أن يكون استشهد معهم يوم أحد. ووردت كذلك في المستدرك 2/ 76 بلفظ"بحصن"ثم علق عليها بـ"هكذا في النسخ، ولعله حضيض الجبل".
ووردت عند السفاريني بلفظ"بنحض"، لوامع الأنوار: 2/ 368.
ووردت في البداية والنهاية: 4/ 44 بلفظ"حضن"، قال ابن كثير: يعني سفح الجبل.
ووردت عند العيني في عمدة القاري: 14/ 96 بلفظ"بفحص"، ومعناه: كل موضع يسكن، أو البسط والكشف، وهو بهذا المعنى قد يناسب السياق. انظر: النهاية: 3/ 415 - 416، ولعل الصحيح هو ما ذكره ابن الأثير.
قال السهيلي -رحمه الله-: نحص الجبل: أسفله، قاله صاحب العين. الروض الأنف: 3/ 181.
(7) أخرجه أحمد في المسند (الفتح الرباني: 21/ 58) ، وقال عنه الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع، مجمع الزوائد. كما أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 76) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، وقال العيني في"عمدة القاري": 14/ 96: سنده صحيح.