قال: نعم، وأنا له شهيد» [1] .
فدل هذا الحديث على أن من قتل نفسه في المعركة خطأ حكمه حكم من قتله غيره في ترك الغسل [2] .
2 -ما روي أن عامر بن أبي سلمة رضي الله عنه عندما رجع عليه سيفه فقتله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: «مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرتين» [3] .
فهذا قد قتل نفسه خطأ في المعركة، ومع ذلك لم يفرد عن الشهداء بحكم [4] .
الترجيح:
من خلال عرض أقوال الفريقين وأدلتها يظهر -والله أعلم- رجحان القول الثان؛ نظرًا لصحة أدلته وصراحتها، ولأنها نص في الموضوع، وسلامته من المعارض.
أما أصحاب القول الأول فلم يذكروا سوى تعليلًا ينتقض عليهم عند مقابلته بأدلة القول الثاني.
هذه هي الصور الثانية وهي القتل بيد المسلمين خطأ، وقد قسم بعض الفقهاء القتل الخطأ إلى قسمين:
1 -خطأ في الفعل: كمن قصد رمي صيد فأخطأ فأصاب إنسانًا، فهذا خطأ في نفس الفعل.
2 -خطأ في القصد: كمن يرمي شخصًا يظنه حربيًا فإذا هو مسلم، فهذا خطأ في ظن الفاعل [5] .
ومع توسع دائرة المعارك الحديثة، سواء منها البرية أو البحرية أو الجوية أصبحت الأخطاء واردة، ويسمونها بنار الأصدقاء، أي أن الخطأ يكون من الصديق الذي أطلق نيران أسلحته على حليفه من غير قصد.
والمسلم المقتول خطأ بيد المسلمين في المعركة له أحكام في الفقه ليس هذا مقام بسطها [6] .
(1) أخرجه أبو داود وسكت عنه في كتاب الجهاد، باب في الرجل يموت بسلاحه، رقم 2539. قال الشوكاني:"الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وفي إسناده سلام بن أبي سلام مجهول. وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور: إنما هو زيد بن سلام عن جدة أبي سلام. انتهى، وزيد ثقة". نيل الأوطار: 4/ 30.
(2) نيل الأوطار: 4/ 30.
(3) أخرجه أبو داود وسكت عنه في كتاب الجهاد، باب في الرجل يموت بسلاحه، رقم 2538، عن سلمة بن الأكوع. كما أخرجه مسلم بمعناه في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر، رقم 1802. وكذلك ابن أبي عاصم في كتابه الجهاد: 2/ 586، رقم 241.
(4) المغني: 3/ 474، بتصرف. وانظر الشرح الكبير: 1/ 548، والمبدع: 2/ 23.
(5) انظر: المبسوط: 26/ 66، مغني المحتاج: 4/ 4، المغني: 11/ 463، المحلى: 10/ 215، مسألة رقم 2023.
(6) أجمع العلماء على أن من قصد شخصًا يظنه حربيًا فقتله فتبين أنه مسلم أنه لا يجب عليه القصاص، ثم اختلفوا في الواجب في ذلك، هل هو الكفارة فقط، لقوله تعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء 92] ، أو أن الواجب في ذلك الكفارة والدية استنادًا لعموم قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء 92] . انظر تفصيل هذا كله في بدائع الصنائع: 7/ 252، مواهب الجليل: 7/ 256، مغني المحتاج: 4/ 13، المغني: 11/ 465.