المبحث الثالث
موانع الشهادة
الأحكام لا توجد إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، وقد سبق ذكر الشروط، وهذا المبحث في موانع الشهادة، وهو خاص بشهيد الآخرة.
والمانع عرفه علماء الأصول بأنه: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدمه لذاته [1] .
أولًا: الموانع الخاصة بشهيد الآخرة.
والمراد من هذه الموانع أنها تحرم صاحبها من حصول الأجر الأخروي المترتب على الشهادة، وهي كالآتي:
1 -الغلول:
لغة: مصدر غل يغل غلا، ومعناه في اللغة: الخيانة، ومنه الغلول في الغنم، وهو أن يخفي الشيء فلا يرد إلى القسم، كأن صاحبه قد غله بين ثيابه [2] .
شرعًا: هو أخذ ما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة قبل حوزها [3] .
فالغلول في اللغة عام في الخيانة، وشرعًا خاص في الخيانة من المغنم [4] .
وقد جاءت النصوص الشرعية بتحريم الغلول والتشديد في أمره. قال الله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161] . قال ابن كثير: وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد [5] .
وإنما جاءت النصوص بالتشديد في أمر الغلول لأنه في الحقيقة من أكبر الأسباب التي تؤدي إلى الهزيمة والانخذال في صفوف المقاتلين، فإنهم إذا علموا أنها لن تقسم بينهم بالسوية انشغلوا عن القتال بجمع هذا الفتات الدنيوي الزائل، فرغبوا في الدنيا، وزهدوا في الجهاد، فحينئذ تكون الهزيمة.
فتفشي الغلول في الجيش يكون ضرره عام على الجماعة المسلمة، أما غيره من الخيانات كالسرقة مثلًا فإن ضررها خاص.
(1) انظر في تعريفه: المحصول، للرازي: 1/ 109، وشرح الكوكب المنير، لابن النجار: 1/ 456، وكتاب"المانع عند الأصوليين"، الدكتور عبد العزيز الربيعة.
(2) المقاييس في اللغة: 4/ 376، جمهرة اللغة: 1/ 589، كلمة (خرف) ، القاموس المحيط، ص 1343.
(3) شرح حدود ابن عرفة: 1/ 234.
(4) المطلع على أبواب المقنع، ص 118، بتصرف.
(5) تفسير ابن كثير: 1/ 398.