قال الإمام السبكي [1] -رحمه الله-: « ... إن المجاهدين تقوى نفوسهم على الجهاد والثبات في مواقفهم علمًا منهم أن الغنيمة تقسم عليهم، فإذا غل منها خافوا أن لا يبقى منها نصيبهم، فيفرون إليها، فيكون ذلك تخذيلًا للمسلمين، وسببًا لانهزامهم، كما جرى لما ظنوا يوم أحد، فلذلك عظم قدر الغلول، وليس كغيره من الخيانة والسرقة» [2] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قام فينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره. قال: لا ألفين [3] أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة [4] ، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك ... » الحديث [5] .
وعن عبد الله بن عمرو قال: «كان على ثقل [6] النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هو في النار. فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها» [7] .
فهذه الأحاديث عامة في تحريم الغلول، وسنورد الآن أحاديث خاصة في أثر الغلول على الشهادة وإن كان ممن قد نال سببها من القتل في سبيل الله على أيدي الكفار.
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كلا، إني رأيته في النار في بردة [8] غلها أو عباءة، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس: أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون. قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل إلا المؤمنون» [9] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر. ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد له، وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحل رحله فرُمي بسهم، فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله! قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كلا والذي نفس محمد بيده! إن
(1) هو: الإمام تقي الدين، أبو الحسن، علي بن عبد الكافي بن علي الأنصاري الخزرجي، ولد سنة 683 هـ، من مصنفاته الكثيرة: الابتهاج في شرح المنهاج للنووي. توفي سنة 756 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لولده عبد الوهاب: 10/ 39، رقم الترجمة 1393، ومعجم المؤلفين: 7/ 127.
(2) فتاوى السبكي: 2/ 345.
(3) لا ألفين: أي لا أجد. النهاية: 4/ 262.
(4) الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل، النهاية: 1/ 436.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب الغلول، رقم 3073.
(6) الثقل: متاع المسافر، والمراد ما يثقل حمله من الأمتعة، انظر: النهاية: 1/ 216، وفتح الباري: 6/ 217.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب القليل من الغلول، رقم 3074.
(8) البردة: هي الشملة المخططة. وقيل: كساء أسود مربع فيه صور، تلبسه الأعراب. النهاية 1/ 116.
(9) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، رقم 182.