المبحث الأول
معالم وحدود المعركة
إن وضوح معالم وحدود المعركة له أهمية كبيرة في بيان بعض الأحكام الفقهية [1] ؛ فمن ذلك معرفة من يموت في المعركة فتنطبق عليه الأحكام الخاصة بالشهيد، ومن يموت خارج المعركة فيكون كسائر الموتى، فقد اتفق الأئمة الأربعة على أن المسلم المقتول في معركة الكفار ممن يأخذ هذه الأحكام [2] .
والمعركة اختلف في تحديد مسماها، هل هو مكاني أو زماني، فذكر القاضي عبد الوهاب [3] -من المالكية- أن الشافعية [4] اعتبروا في ذلك: زمن الحرب وبقاءها، ورجح أن المعترك ليس بعبارة عن بقاء الحرب وتقضيها، وإنما عبارة عن الموضع الذي يكون فيه القتال [5] .
كما أن الشافعية ذهبوا في تحديد المعركة إلى اعتبار الحال أيضًا، أي أن المجاهد إذا قاوم وقاتل وحصل منه عراك لعدوه ثم قتل أثناء ذلك يصح اعتباره من قتلى المعركة، أما إذا قتل وهو غافل أو قتل صبرًا [6] فإنه لا يكون من قتلى المعركة [7] . ولعل هذا التوجيه مبني على المعنى اللغوي من المعاركة التي هي على وزن مفاعلة، وهي لا تكون إلا من اثنين، ولا بد من فعلين لفاعلين في الغالب.
والذي يظهر لي في هذا -والله أعلم- هو ما رجحه القاضي عبد الوهاب من أن المعركة هي أرض الحرب والموضع الذي يكون فيه القتال؛ لأن هذا هو المعروف في دلالة اللغة؛ فقد جاء في تعريف المعركة
(1) مثل من قتل نفسه خطأ في المعركة، فإنه يأخذ أحكام الشهداء على الصحيح، ومن قتل نفسه خطأ في غير المعركة يكون كسائر الموتى، ومثل المرتث فإنه إذا نقل من أرض المعركة ثم مات خارجها لا تنطبق عليه الأحكام الخاصة بالشهيد، وسيأتي تفصيل هذه الأمثلة في مواضعها -إن شاء الله-.
(2) الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة: 1/ 139، مراتب الإجماع، لابن حزم، ص 34، مختصر الطحاوي، ص 41، حاشية الدسوقي: 1/ 425، روضة الطالبين: 2/ 119، المبدع: 2/ 234.
قال ابن قدامة:"إذا مات في المعترك، فإنه لا يغسل، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافًا، إلا عن الحسن، وسعيد بن المسيب ...". المغني: 3/ 467.
(3) هو: عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي، الفقيه المالكي، الأصولي، من أعيان علماء الإسلام، وكبار المالكية. له مصنفات كثيرة، منها: الإشراف على نكت مسائل الخلاف، والتلقين، وغيرها. توفي سنة 422 هـ. انظر: ترتيب المدارك: 2/ 691، الديباج المذهب، ص 159، وشجرة النور الزكية، ص 103.
(4) قال أبو إسحاق الشيرازي:
"إن جرح في الحرب ومات بعد انقضاء الحرب غسل وصلى عليه، لأنه مات بعد انقضاء الحرب". المهذب: 1/ 135.
(5) الإشراف على نكت مسائل الخلاف: 1/ 358 - 359.
(6) صبرًا: قال ابن الأثير: كل من قتل في غير معركة، ولا حرب، ولا خطأ، فإنه مقتول صبرًا. النهاية: 3/ 8.
(7) انظر: روضة الطالبين: 2/ 119، تحفة المحتاج: 3/ 164.