المبحث الثاني
قتيل معركة الكفار
المسلم المقتول في معركة الكفار لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أنه شهيد يأخذ الأحكام الخاصة من عدم الغسل، والدفن بثيابه، وغير ذلك من الأحكام التي اختلف في بعضها كما سيأتي بيانه في موضعه -إن شاء الله-.
والكفار منهم الحربي، والمستأمن، والذمي، وكل واحد من هؤلاء له حكم خاص مع المسلمين، والذي يعنينا من هذا هو: هل الشهيد يكون من قتله الحربي فقط أم يشمل غيره؟.
أما الجمهور فيعنون بذلك: الكفار عمومًا، فالحنفية [1] ، والحنابلة [2] يرون أن المسلم إذا قتل ظلمًا من مسلم فإنه يكون شهيدًا، وتنطبق عليه الأحكام الخاصة بالشهيد، فمن الكافر من باب أولى، سواء كان حربيًا، أو مستأمنًا، أو ذميًا، أما الشافعية فقد نصوا على ذلك فقالوا: الكفار سواء كانوا حربيين أم مرتدين أم أهل ذمة [3] .
أما المالكية فإنهم يخصون الحربي من عموم الكفار [4] ، ولذلك جاء في تعاريفهم للشهيد بأنه من قتل في"قتال الحربيين" [5] ، وكأنهم -والله أعلم- استدلوا [6] بمقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه قتل بيد كافر، ومع هذا غسل وصلي عليه [7] .
الترجيح:
الذي يظهر لي رجحانه -والله تعالى أعلم- هو قول الجمهور، لأن أهل العلم ذكروا أن الذمي إذا
(1) الحجة، لمحمد بن الحسن: 1/ 356 - 357، النافع الكبير، للكنوي، ص 118.
(2) الفروع، لابن مفلح: 2/ 213، الإنصاف: 2/ 503.
(3) مغني المحتاج: 1/ 350، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: 3/ 163.
(4) قال الزرقاني:"... أما قتيل كافر مضروب عليه الجزية فيغسل قطعًا"شرح الزرقاني على مختصر خليل: 2/ 109. وقال محمد بن المدني كنون:"... لأن الشهيد الذي لا يغسل باتفاق أو باختلاف هو قتيل الحربي، وقاتل عمر -وهو أبو لؤلؤة المجوسي أو النصراني- ليس بحربي، بل كان مملوكًا للمغيرة بن شعبة قاطنًا بين أظهر المسلمين تجرى عليه أحكامهم كسائر عبيد أهل المدينة". حاشية المدني على كنون على حاشية الرهوني: 2/ 228.
(5) انظر: الذخيرة، للقرافي: 2/ 476، مواهب الجليل: 2/ 247.
(6) قال محمد عليش:"... قاتل عمر رضي الله عنه كان ذميًا، فتغسيله متفق عليه". منح الجليل: 1/ 312.
(7) أخرج عبد الرزاق عن نافع قال:"كان عمر من خير الشهداء فغسل، وكفن، وصلي عليه، لأنه عاش بعد طعنه". المصنف: 5/ 275، رقم 9591، وسيأتي مزيد من التفصيل عن هذا الأمر في مبحث أحكام المرتث -إن شاء الله-.