المبحث الخامس
في حكم قول فلان شهيد
إن إطلاق لفظة"شهيد"على كل أحد لا تجوز، إلا لمن أثبت له الشارع هذا الوصف، أما تسمية الكفار من ملحدين ويهود ونصارى وغيرهم بشهداء فهذا قدح في عقيدة من قال ذلك، وجهل منه بأبسط مبادئ الإسلام وأصول الإيمان، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] .
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: «وأما ما ينشر في الصحف وما أشبه ذلك من مثل هذه الألقاب التي قد تقال لمن يجزم الإنسان بأنه ليس من المؤمنين فضلًا عن الشهداء؛ فإن الواجب أن يتحرّى الإنسان فيما يقول، سواء كان صحفيًا أم غير صحفي لأنه سيُسأل عما قال، كما قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] .» [1] .
كما أدرج البعض أوصافًا لنيل الشهادة غير الأوصاف التي قيدتها النصوص الشرعية، كقول بعضهم:"شهيد البيئة"لمن قتل وهو يحافظ على نظافة بلدته، أو"شهيد الفن"لمن مات وهو يقوم بجهاد فني -على زعمهم- ولو كان بعمله الفني هذا يحارب الله ورسوله، أو"شهيد العروبة"ولو كان هذا مقتولًا في عصبية قومية جاهلية، أو"شهيد الحرية"، أو"شهيد العلم"، وغيرها من الأوصاف التي قد يكون في أكثرها مضادة لحكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه كلها دعاوى باطلة وتسميات زائفة أرخصت بها منزلة الشهادة العظيمة التي جاء الإسلام برفع مكانتها وإعلاء شأنها، وأصحاب الأوصاف السابقة الذكر لا يجوز لأحد أن يطلق عليهم شهداء، لوجوب الوقوف عند الضوابط والأصول الشرعية.
أما «إطلاق الشهادة بالوصف، مثل أن يقال: كل من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد، ونحو ذلك، فهذا جائز كما جاءت به النصوص؛ لأنك تشهد بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونعني بقولنا: جائز أنه غير ممنوع، وإن كانت الشهادة بذلك واجبة تصديقًا لخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» [2] .
لكن من مات بسبب من أسباب الشهادة وقد توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع الظاهرة، هل يجوز إطلاق لفظة شهيد عليه كأن يقال: فلان شهيد؟ هذه المسألة اختلف فيها على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد.
القول الثاني: أنه يجوز أن نشهد للمعين، بأنه شهيد إذا توافرت فيه الشروط، وإليك تفصيل هذه
(1) فتاوى إسلامية، جمع محمد بن عبد العزيز المسند: 4/ 262.
(2) المناهي اللفظية، محمد بن الصالح العثيمين، جمع فهد السليمان، ص 80.