المبحث الثالث
الأدلة الشرعية على جواز الانغماس في العدو (العمليات الاستشهادية)
الذين أجازوا مثل هذه العمليات قاسوها على مسألة الانغماس [1] في العدو انغماسًا لا ترجى معه حياة، وعلم يقينًا أنه يقتل أو غلب على ظنه.
فهم قاسوا ما لم يرد حكمه في أقوال الشارع -وهي هذه العمليات- على حكم ما ورد حكمه، -وهي مسألة الانغماس- والتي أجازها جمهور أهل العلم إذا كان فيها نكاية بالعدو، ومنفعة للمسلمين.
واستدل جمهور أهل العلم على جواز الانغماس بما يلي:
1 -حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال -في معركة بدر-: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم. قال: بَخ بَخ [2] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك، بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه [3] فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل» [4] .
قال النووي -في فوائد هذا الحديث-: «وفيه جواز الانغمار في الكفر، والتعرض للشهادة، وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء» [5] .
قال ابن عبد البر: «ليس في الحديث ما يدل على أن عمير بن الحمام حمل وحده على كتيبة الكفار، ولو فعل ذلك كان حسنًا، وكانت مع ذلك له شهادة» [6] .
2 -عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما- قال: «قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: في
(1) الانغماس: من الغمس، يقال: انغمس فلان في العدو: إذا دخل فيهم وغاص. انظر: النهاية: 3/ 386.
(2) بَخٍ بَخٍ: كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرر للمبالغة، ومعناها تعظيم الأمر وتفخيمه. انظر النهاية: 1/ 101.
(3) قرنه: أي جعبته. النهاية: 4/ 55.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، رقم 1901.
(5) شرح صحيح مسلم، للنووي: 13/ 46.
(6) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار: 14/ 297.
قال الباحلي:"يحتمل أن يكون حمل عمير هذا مع جماعة الناس، ويحتمل أن يكون انفرد بالحمل على جماعة المشركين، وهذا جائز، أن يحمل الرجل وحده على الكتيبة لا سيما من علم من نفسه شدة وقوة، وكان مع أصحابه من العدد ما يعلم أنهم محتمون دونه. وقد روي عن مالك أنه قال: يجوز للرجل إذا علم من نفسه قوة وغناء أن يبرز إلى الجماعة، ولا يكون له تهلكة، وأما من كان رأس الكتيبة وعلم أنه إن أصيب هلك من معه من المسلمين، فالصواب له أن لا يتعرض للقتال إلا أن يضطر إليه، لأن في بقائه بقاء للمسلمين". المنتقى، شرح الموطأ: 3/ 214 - 215.