المبحث الثاني
فضائل الشهادة في الكتاب والسنة
تمهيد:
يشرف البذل بشرف المبذول، وأفضل ما بذله الإنسان نفسه وماله، ولما كانت الأنفس والأموال مبذولة في الجهاد، جعل الله من بذل نفسه في أعلى رتب الطائعين وأشرفها، لشرف ما بذله، مع محو الكفر، ومحق أهله، وإعزاز الدين، وصون دماء المسلمين [1] .
والجهاد من أعظم أركان الإسلام، لأنه لا شيء أعزّ على الإنسان من الحياة، إلا من بلغ به إيمانه إلى تعظيم الله تعالى وحده وحبه، وبغض أعدائه، فعندئذ تأبى نفسه أن ترى عدو الله على وجه الأرض منعمًا بالحياة، متقلبًا في نعمة الله جل جلاله، ثم هو في ذلك كله يكفر به ويجحده ويشرك به، ولهذا تدعوه الحمية الدينية على أن يجاهده، فإما أن يرده إلى الحق، أو أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر -إن كان من أهل الكتاب- أو يقتله أو يُقتلُ، فكان الموت أحب إليه من بقائه على كفره، فهذا هو الذي إيمانه أصدق الإيمان، وإخلاصه أكمل الإخلاص [2] . وهذا الذي منّ الله عليه بفضائل لا تحصى، ومآثر لا تستقصى في كتابه العظيم.
وعلى لسان نبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم -. وسوف ننبه -إن شاء الله- على جملة من هذه الفضائل.
فضائل الشهادة في الكتاب:
1 -قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] .
2 -وقال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171] .
فيخبر الله تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار؛ فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار [3] .
3 -وقد اشترى الله سبحانه وتعالى من المؤمنين نفوسهم لنفاستها لديه إحسانًا منه وفضلًا.
وكتب ذلك العقد الكريم في كتابه العظيم؛ فهو يقرأ أبدًا بألسنتهم ويتلى، قال تعالى مبينًا لزوم هذا العقد
(1) أحكام الجهاد وفضائله، للعز بن عبد السلام، ص 28.
(2) المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي: 2/ 464، 465، بتصرف.
(3) تفسير ابن كثير: 1/ 402.