المبحث الخامس
حقوق أسر الشهداء
حث الإسلام على رعاية حقوق المجاهدين وحفظهم في أهليهم وذراريهم، وجعل لذلك الأجر العظيم، حتى إنه ساواهم في أجر الغزاة في سبيل الله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: « ... ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا» [1] . فتجهيز الغزاة وخلافتهم في أهليهم مندرج في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] ، والجهاد من أبر البر، والمعونة عليه من أفضل المعونة [2] .
كما جاء التحذير من خيانتهم في أهليهم، وتعظيم حرمة ذلك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم؛ إلا وقف له يوم القيمة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟» [3] .
قال الحليمي [4] -رحمه الله-: «وهذا -والله أعلم- لعظم حق المجاهد على -القاعد- فإنه ناب عنه، وأسقط بجهاده فرض الخروج عنه، ووقاه مع ذلك بنفسه، وجعل نفسه حصنًا له وجنة دونه، فكانت خيانته له في أهله أعظم من خيانة الجار في أهله» [5] .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزور أسر الشهداء، ويواسيهم، فقد روى أنس - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيت أم سليم، إلا على أزواجه، فقيل له؟ فقال: إني أرحمها، قتل أخوها معي» [6] .
وأخوها هو حرام بن ملحان، قتل في غزوة بئر معونة [7] .
(1) البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير، رقم 2843. ومسلم كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي، في سبيل الله بمركوب وغيره، رقم 1895، واللفظ له.
(2) أحكام الجهاد وفضائله، للعز بن عبد السلام، ص 46.
(3) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب حرمة نساء المجاهدين، وإثم من خانهم فيهم، رقم 1897.
(4) هو: الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم، أحد أئمة الدهر، الفقيه، القاضي، له مصنفات، منها: المنهاج في شعب الإيمان. توفي سنة 403 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي: 4/ 333.
(5) المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي: 2/ 475.
(6) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير، رقم 2843.
(7) قال ابن حجر:"والمراد بقوله (معي) أي مع عسكري، أو على أمري وفي طاعتي، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشهد بئر معونة، وإنما أمرهم بالذهاب إليها، وغفل القرطبي فقال: قتل أخوها معه في بعض حروبه، وأظنه يوم أحد، ولم يصب في ظنه، والله أعلم". فتح الباري: 6/ 60.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"كل من اتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقاتل على دينه فقد قاتل معه، وكذلك كل من قتل على دينه فقد قتل معه". مجموع الفتاوى: 1/ 60.