نجس، ويستثنى من ذلك دم الشهيد ما دام عليه» [1] .
أما إذا أصابت الشهيد نجاسة من غير دمه كروث وبول وغيرهما فإنها تزال عنه، لأن الآثار وردت في إبقاء دمه خاصة، وإن أدى ذلك إلى زوال بعض دمه، لأن دفع المفسدة وهي غسل النجاسة، أولى من جلب المصلحة وهي إبقاء أثر العبادة [2] .
اختلف العلماء في تحديد الحكمة من عدم غسل الشهيد، وذكروا عدة علل لا تخلو من اعتراض في الغالب، وسنورد ما ذكروه من ذلك، مع الاعتراضات التي قوبلت بها، ونذكر الأقرب إلى الصواب -إن شاء الله تعالى-.
1 -العلة [3] في عدم الغسل كان لأجل ما يتضمنه الغسل من إزالة أثر العبادة المستحسنة شرعًا [4] ، وفي الحديث قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة، واللون لون الدمن والريح ريح المسك» [5] .
قال السهيلي: «فكيف يطهر منه وهو طيب وأثر عبادة، ومن هذا الأصل انتزع بعض العلماء كراهية تجفيف الوجه من ماء الوضوء ... ومن هذا الأصل انتزع كراهية السواك بالعشي للصائم؛ لئلا يذهب خلوف فمه، وهو أثر عبادة» [6] .
ومن ذلك أيضًا استبقاء شعار الإحرام كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرجل الذي وقصته راحلته في عرفة-: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» [7] .
2 -العلة في ذلك لأجل أن يبقى دمه شاهدًا على خصمه يوم القيامة [8] ، وشاهدًا على من ظلمه، (لأنه إذا حضر إلى السيد عبده محمولًا بدمائه وهيآت جراحه وهيئته التي لاقى بها أعداءه، فنظر إليه السيد
(1) شرح العمدة في الفقه (كتاب الطهارة) ، لابن تيمية: 1/ 21.
(2) انظر الفتاوى الهندية: 1/ 168، مواهب الجليل: 2/ 249، روضة الطالبين: 2/ 120، الإنصاف: 2/ 449، شرح منتهى الإرادات: 1/ 351.
(3) المراد بالعلة هنا: الحكمة.
(4) المغني: 3/ 468، بتصرف.
(5) سبق تخريجه.
(6) الروض الأنف: 3/ 179.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، رقم 1265.
(8) انظر: النافع الكبير، للكنوي، ص 119، والفواكه الدواني: 1/ 338.