على تلك الحال، كان أبلغ في عطفه عليه وميله إليه، ومغنيًا عن شفاعة الشافعين عنده) [1] .
واعترض على هاتين العلتين: بأنه لو كانت العلة هي إبقاء الدم «لوجب أن يغسل من قتل في المعترك خنقًا، أو بمثقل ولم يظهر دم، ولأنه لو كان المراد بقاء الدم ليمم» [2] ، ولأنه لو غسل جهلًا، أو نسيانًا، أو عمدًا لما بطلت تلك المزية [3] .
وأجيب عن هذه الاعتراضات بأن الحكمة لا يلزم اطرادها [4] .
3 -أن العلة في ذلك أنه حي، والحي لا يغسل، ففي عدم غسله تحقيق لحياة الشهداء، وتصديق لقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] [5] .
واعترض على هذه العلة بأنه «حي في أحكام الآخرة، فأما في أحكام الدنيا فهو ميت في حقنا، يقسم ميراثه، ويجوز لزوجته أن تتزوج بعد انقضاء العدة» [6] .
4 -أن العلة في ذلك هو أن الغسل إنما يجب من أجل الصلاة، إلا أن الميت لا فعل له، فأمرنا بغسله لنصلي عليه، فمن لم تجب الصلاة عليه لم يجب غسله كالحي [7] .
وهذا تعليل عند من يرى عدم الصلاة على الشهيد.
ويعترض على هذه العلة بأنه وردت بعض الآثار التي ذكرت الصلاة على الشهيد، وهي صحيحة صريحة في ذلك، وسنذكرها مفصلة -إن شاء الله تعالى- في مبحث الصلاة على الشهيد.
5 -أن العلة في ذلك هي أن القتلى في المعركة يكثرون، فيشق عليهم غسلهم، وربما يكون فيهم الجراح فيتضررون، فعفي عن غسلهم لذلك [8] .
واعترض على هذه العلة بأنه لو كان ترك الغسل للعذر، لأمر أن ييمموا، كما لو تعذر غسل الميت
(1) الذخيرة، للقرافي: 2/ 475.
(2) المجموع، للنووي: 5/ 266.
(3) مقاصد الشريعة، للطاهر بن عاشور، ص 54.
(4) انظر حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: 3/ 164.
والطرد: هو وجود الحكم لوجود العلة. انظر: كتاب الحدود في الأصول، لابن فورك، ص 155، واطراد العلة: هو ثبوت الحكم لكل محل توجد فيه هذه العلة.
(5) الروض الأنف: 3/ 179، بتصرف. وانظر: أحكام القرآن، لابن العربي: 1/ 68، والحاوي، للماوردي: 3/ 202.
(6) شرح السير الكبير، للسرخسي: 1/ 231، وانظر النافع الكبير، ص 79.
(7) المغني: 3/ 469.
(8) المصدر السابق نفسه.