المبحث السادس
أول شهيد في الإسلام
إن موت الشهداء في سبيل الله إعلاء لكلمته وتعزيزًا لدينه لا يُفرض أن يكون دومًا مع الكافرين، وفي معارك معهم يدور فيها القتلُ والقتالُ، بل قد يكون واقعًا من الكافرين تعذيبًا وتنكيلًا [1] .
وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عد من الشهداء من قتل في سبيل قول الحق، وجعله في مصاف الشهداء المقتولين في ساحات المعارك، فقال: «سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله» [2] .
وهذا ما حصل لسمية وياسر والدي عمار رضي الله عنهم، فقد كان إسلامهم قديمًا في أول الإسلام، وكانوا رضي الله عنهم ممن يعذب في الله [3] .
وفي حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: «أقبلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخذًا بيدي نتماشى في البطحاء حتى أتى على أبي عمار، وعمار، وأمه وهم يعذبون، فقال ياسر: الدهر هكذا. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: اصبر، ثم قال: اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت» [4] .
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بعمار وأهله وهم يعذبون، فقال: «أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» [5] .
قال مجاهد [6] -رحمه الله-: «جاء أبو جهل فجعل يشتم سمية ويرفث، ثم طعنها فقتلها، فهي أول
(1) الشهيد في الإسلام، لحسن خالد، ص 81، بتصرف.
(2) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم 4091، قال الهيثمي في المجمع: 9/ 268: فيه ضعف. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 3/ 195، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: الصفار لا يُدرى من هو. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم 3676.
(3) الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 3/ 677.
(4) ابن سعد في الطبقات: 3/ 248 - 249. وأخرجه أحمد في المسند، الفتح الرباني: 22/ 332. قال الهثيمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد: 9/ 293.
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك: 3/ 388 - 389، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. وأخرجه ابن سعد في الطبقات: 3/ 249. وأخرجه الطبراني في الأوسط، رقم 1531. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة.
(6) هو: مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم، المكي، ولد سنة 21 هـ، من كبار التابعين، روى عن جمع من الصحابة كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والعبادلة الأربعة. إمام في التفسير وفي العلم، وكان من العباد الزهاد، مع الفقه والورع. مات بمكة وهو ساجد سنة 101 هـ. انظر: تهذيب التهذيب: 10/ 42، ومشاهير علماء الأمصار، لابن حبان، ص 106.