فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 201

المبحث الثالث

في حقيقة موت الشهداء، ومعنى حياتهم بعد الموت

المقتول في سبيل الله تعالى حي عند ربه يرزق من الجنة، قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] .

وقال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171] .

فالشهيد وإن كان حيًا في أحكام الآخرة، فإنه في أحكام الدنيا ميت، يُقسم ميراثه، وتعتد نساؤه، وغير ذلك من الأحكام الدنيوية الخاصة به.

أما قوله تعالى: {أحياء ... } فقد اختلف العلماء في معنى هذه الحياة، وما المقصود منها على أقوال كثيرة، نجدها منثورة في الكتب، وخاصة كتب التفسير، تارة مطولة، وتارة مختصرة، وفي ذكر هذه الأقوال ونسبتها، وما استدل لها إطالة لا تناسب المقام، وسوف اقتصر -إن شاء الله تعالى- على بعضها، مما أرى أن له تعلقًا وثيقًا بهذه المسألة. والقول الذي خلصت إليه في هذه المسألة، وأرى -والعلم عند الله- أنه القول الراجح، وأجده أقرب الأقوال إلى ظواهر النصوص الشرعية والآثار المروية عن الصحابة؛ هو: أن الحياة التي أثبتها الله سبحانه وتعالى للشهداء حياة برزخية حقيقية وليست مجازية، وأن أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يرزقون في الجنة، ويأكلون، ويتنعمون، وأنهم في حياة ونعيم، وعيش هنيء، ورزق سني [1] .

وبرهان هذا: ما أوردناه من الآيات الكريمة السابقة، والأحاديث الشريفة الآتية، فقد روى مسروق [2] قال: «سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ؟ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر. لها قناديل [3]

(1) انظر: تفسير الطبري: 2/ 42. المحلى، لابن حزم: 1/ 44، مسألة رقم 43. تفسير القرطبي. 4/ 173. تفسير ابن كثير: 1/ 187. وفتح القدير، للشوكاني: 1/ 502.

(2) مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، مخضرم. توفي سنة 62 هـ. روى عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم، من كبار العباد، حج فلم ينم إلا ساجدًا، ومن الفقهاء. انظر: تهذيب التهذيب: 10/ 109.

(3) القناديل: جمع قنديل، قال في اللسان: 11/ 570. وفي المحيط في اللغة: 6/ 101 القنديل: معروف. وجاء في المعجم الوسيط، (ص 762) القنديل: مصباح كالكوكب في وسطه فتيل، يملأ بالماء والزيت ويشعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت