صحيح، فإنه لم يأمرهم بالتيمم، لأنه لو كان ترك الغسل لعذر يمنع استعمال الماء، لأمر أن يُيمموا، كما لو تعذر غسل الميت في زمان لعدم الماء، ولأنه لم يعذرهم في ترك الدفن، وكانت المشقة في حفر القبور للدفن أظهر منها في الغسل [1] .
الشهيد إذا قتل بمحدد فإن دماءه سوف تسيل عليه، فتكون من الدم المسفوح، وتصيب بدنه وثوبه، والدم المسفوح -وهو الذي يجري ويسيل- نجس، لقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 173] .
وقال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3] . وقال: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [الأنعام: 145] .
ونقل ابن العربي -رحمه الله- الإجماع على نجاسة الدم المسفوح، فقال: «اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى ههنا مطلقًا، وعينه في سورة الأنعام مقيدًا بالمسفوح، وحمل العلماء ههنا المطلق على المقيد إجماعًا» [2] .
كما نقل الإجماع أيضًا القرطبي -رحمه الله- فقال: «اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا ينتفع به ... قلت: ذكر الله سبحانه وتعالى الدم ههنا مطلقًا، وقيده في الأنعام بقوله {مسفوحًا} ، وحمل العلماء ههنا المطلق على المقيد إجماعًا. فالدم هنا يراد به المسفوح، لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع» [3] .
فما يصيب الشهيد من دمه المسفوح مستثنى من عموم الدماء المسفوحة؛ للآثار الواردة في إبقاء دمه عليه وعدم إزالتها، فيكون دمه طاهرًا ما دام عليه، أما إذا انفصل عنه فغنه نجس كغيره [4] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «الدم المسفوح هو الدم السائل الخارج من العروق، وهو
(1) المبسوط: 2/ 49، بتصرف.
(2) أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 79، وانظر أحكام القرآن، للجصاص.
(3) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 2/ 149. ولمزيد من الاطلاع على نجاسة الدم وما يستثنى منه، انظر: أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي، عبد المجيد صلاحين: 1/ 185، وكتاب أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية. عبد الله الطريقي، ص 401، وكتاب الدماء في الإسلام، عطية محمد سالم، ص 75، وما بعدها.
(4) انظر حاشية رد المحتار:1/ 319، المبدع في شرح المقنع:1/ 247، كشاف القناع:1/ 191، شرح منتهى الإرادات:1/ 108.