المبحث الثالث
الصلاة على الشهيد
اختلف العلماء في حكم الصلاة على الشهيد. فمنهم من قال: يصلى عليه، ومنهم من قال: لا يصلى عليه، والبعض قال بالتخيير بين الصلاة وتركها، وسوف نعرض هذه الأقوال -إن شاء الله- مع ذكر ما استدل به أصحاب كل قول، ثم نذكر الراجح منها، مع ذكر سبب الترجيح.
القول الأول: أنه يصلى على الشهيد:
وهذا مذهب الحنفية [1] ، ورواية عن أحمد [2] .
وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة نقلية وعقلية، وهي:
1 -قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} [التوبة: 103] . فأمر ولم يفصل، وعلل بأن الصلاة سكن لهم أي أنسًا ورحمة، والشهيد أولى بذلك من غيره [3] .
2 -ما رواه عقبة بن عامر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت» [4] .
3 -عن شداد بن الهاد - رضي الله عنه - «أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه، فلما كانت غزوة، غنم النبي - صلى الله عليه وسلم - سبيًا [5] فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم [6] فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأخذه فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما هذا؟ قال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ههنا -وأشار إلى حلقه- بسهم فأموت، فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في جبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك» [7] .
(1) تبيين الحقائق: 1/ 248، حاشية ابن عابدين: 2/ 250.
(2) المغني: 3/ 467، الإنصاف: 2/ 500، المبدع: 2/ 236.
(3) الانتصار، للكلوذاني: 2/ 627.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، رقم 1344.
(5) السَّبيُ: النهب، وأخذ الناس عبيدًا أو إماءً، والسبية: المرأة المنهوبة، فعيلة بمعنى مفعولة، وجمعها سبايا. النهاية: 2/ 340.
(6) الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب. النهاية 3/ 166.
(7) النسائي، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهداء، رقم 1949، والحاكم في المستدرك: 3/ 596، والبيهقي في السنن الكبرى: 4/ 15، وصححه الأرناؤوط في حاشية زاد المعاد: 3/ 214. قال الألباني -رحمه الله-:"وإسناده صحيح، وأما قول الشوكاني في نيل الوطار (3/ 37) تبعًا للنووي في المجموع (5/ 565) إنه تابعي فوهم واضح فلا يعتد به". أحكام الجنائز، ص 61. وذلك أن شداد بن الهاد صحابي ذكره ابن حجر في القسم الأول من الإصابة: 2/ 141، وابن عبد البر في الاستيعاب: 2/ 135 - 136، وابن الأثير في أسد الغابة، ص 357 - 358.