فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 201

ولعل هذا القول هو الصحيح، لأن ثياب الحرير يجوز لبسها في حالات، منها:

1 -الضرورة: كمن أصيب بحكة أو جرب، فقد روى أنس - رضي الله عنه - «أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني القمل- فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة» [1] .

2 -في حالة الحرب: فقد أجاز ذلك جمع من أهل العلم. قال الإمام أحمد عن لبسه في الحرب: «أرجو أن لا يكون به بأس» [2] .

بل إن بعض أهل العلم استحبه. قال ابن حجر: « ... وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون: أنه يستحب في الحرب، وقال المهلب: لباسه في الحرب لإرهاب العدو، وهو مثل الرخصة في الاختيال في الحرب» [3] .

قال ابن تيمية: «أما لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين، وذلك بأن لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية، وأما لباسه لإرهاب العدو ففيه للعلماء قولان:

أظهرهما أن ذلك جائز، فإن جند الشام كتبوا إلى عمر بن الخطاب: إنا إذا لقينا العدو رأيناهم قد كفروا -أي غطوا أسلحتهم بالحرير- وجدنا لذلك رعبًا في قلوبنا. فكتب إليهم عمر: وأنتم كفروا أسلحتكم كما يكفرون أسحلتهم.

ولأن لبس الحرير فيه خيلاء، والله يحب الخيلاء حال القتال، كما في السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن من الخيلاء ما يحبه الله، ومن الخيلاء ما يبغضه الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل عند الحرب، وعند الصدقة [4] ، وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر» [5] ... » [6] .

قال ابن القيم: « ... والشريعة لا تعطل المصلحة الراجحة لأجل المرجوحة، ونظير هذا جواز لبس الحرير في الحرب، وجواز الخيلاء فيها، إذ مصلحة ذلك أرجح من مفسدة لبسه» [7] .

فعلى القول بجواز لبس الحرير في الحرب تكون الثياب مباحة، فلو قتل فيها لم تنزع عنه، والله تعالى أعلم وأحكم.

(1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب الحرير في الحرب، رقم 2920.

(2) العدة شرح العمدة، لبهاء الدين المقدسي، ص 67.

(3) فتح الباري: 6/ 119.

(4) الخيلاء عند الصدقة معناها -كما قال الإمام الخطابي-: أن يهزه أريحية السخاء، فيعطيها طيبة نفسه بها من غير مَنًّ ولا تصديد. معالم السنن: 4/ 7 - 8.

(5) أخرجه بنحوه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الخيلاء في الحرب، رقم 2659، وسكت عنه، وحسنه الألباني في كتابه"صحيح سنن أبي داود"، رقم 2316.

(6) فتاوى ابن تيمية: 28/ 27.

(7) زاد المعاد: 3/ 488.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت