فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجبر قلب أم سليم بزيارتها، ويعلل ذلك بأن أخاها قتل معه، ففيه أنه خلفه في أهله بخير بعد وفاته، وذلك من حسن عهده - صلى الله عليه وسلم - [1] .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوصي أصحابه بذلك، فعندما قتل جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - شهيدًا في معركة مؤتة قال: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد أتاهم أمر شغلهم» [2] .
وقد روى عن أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- زوج جعفر - رضي الله عنه - «أنه لما قتل جعفر جاءها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ائتيني ببني جعفر، قالت: فأتيته بهم، فشمهم وذرفت عيناه» [3] .
وروي أنه لما جاء جيش المسلمين من معركة مؤتة ودنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «خذوا الصبيان فاحملوهم، واعطوني ابن جعفر، فأتى بعبد الله، فأخذه فحمه بين يديه» [4] .
وكان عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - يقول: «قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هنيئًا لك، أبوك يطير مع الملائكة في السماء» [5] .
وكان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعده يسيرون بسيرته ويهتدون بهديه.
فهذا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يدخل عليه رجل فيجد بنت سعد بن الربيع - رضي الله عنه - على بطنه وهو يشمها، فقال: يا خليفة رسول الله! ابنتك هذه؟ قال: لا، بل ابنة رجل هو خير مني، قال الرجل: من هذا الرجل الذي هو خير منك بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! قال: سعد بن الربيع، كان من النقباء، وشهد بدرًا، وقتل يوم أحد [6] .
وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يروى عنه أنه قال: أربع من أمر الإسلام لست مضيعهن ولا تاركهن لشيء أبدًا، وذكر من إحداهن: المهاجرون الذين تحت ظلال السيوف ألا يحبسوا ولا يجمروا [7] ، وأن يوفر فيء الله
(1) فتح الباري: 6/ 60.
(2) أبو داود، كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت، رقم 3132، وسكت عنه. والترمذي، أبواب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت، رقم 998. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت، رقم 1610.
(3) السيرة النبوية، لابن هشام: 4/ 380، وأخرجه أحمد في المسند، الفتح الرباني: 22/ 215 - 216. قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه امرأتان لم أجد من وثقهما، ولا من جرحهما، وبقية رجاله ثقات. المجمع: 6/ 161.
(4) السيرة النبوية، لابن هشام: 4/ 382، وانظر تاريخ الطبري: 3/ 42.
(5) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: 7/ 97: أخرجه الطبراني بإسناد حسن، وكذلك قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب: 2/ 315، ولم أجده في الكبير والأوسط.
(6) سنن سعيد بن منصور، 2/ 303، رقم 2842، بتصرف يسير.
(7) تجمير الجيش: جمعهم في الثغور وحبسهم عن العودة إلى أهلهم. النهاية: 1/ 292.