فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 201

عليهم، وعلى عيالاتهم، وأكون أنا للعيال حتى يقدموا [1] .

وقد كان - رضي الله عنه - يكرم أبناء الشهداء ويفضلهم على غيرهم، فقد روي أنه لما فرض للناس، فرض لعبد الله بن حنظلة الغسيل ألفي درهم، فأتاه طلحة بابن أخ له ففرض له دون ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين فضلت هذا الأنصاري على ابن أخي! قال: نعم لأني رأيت أباه يستن [2] يوم أحد بسيفه كما يستن الجمل [3] .

كما روي عنه أنه أعطى رجلًا عطاءه، أربعة آلاف درهم وزاده ألفًا، فقيل له: ألا تزيد ابنك كما زدت هذا؟ قال: إن أبا هذا ثبت يوم أحد، ولم يثبت أبو هذا [4] .

وقد كان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين [5] .

ولذا فقد ذكر الفقهاء -رحمهم الله- أن من مات أو قتل من جنود المسلمين فإنه ينفق على امرأته حتى تتزوج، وعلى ابنته الصغيرة حتى تتزوج، وعلى ابنه الصغير حتى يبلغ، ثم يجعل من المقاتلة إن كان يصلح للقتال، لأن في هذا تطييبًا لقلوب المجاهدين، فإنهم متى علموا أن عيالهم يكفون المؤنة بعد موتهم تحمسوا للجهاد والقتال [6] .

هذا بعض ما جاء من هدي الإسلام نحو الشهداء وأسرهم، أما ما ابتدعه بعض الناس من جعل يوم من أيام السنة يحتفل فيه بالشهيد، أو زيارة قبورهم ووضع باقات الزهور عليها، والوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء، فهذه كلها ابتداع ما أنزل الله بها من سلطان، شابه المسلمون بها الكفار، والخير كل الخير في اتباع من سلف.

وجاء في فتوى اللجنة الدائمة ما يلي: «ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء، أو تشريفًا وتكريمًا لأرواحهم: من المنكرات والبدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا في عهد أصحابه، ولا السلف الصالح، ولا تتفق مع آداب التوحيد، ولا إخلاص التعظيم لله، بل اتبع فيها بعض جهلة المسلمين بدينهم من ابتدعها من الكفار، وقلدوهم في عاداتهم القبيحة، وغلوهم في رؤسائهم ووجهائهم أحياءً وأمواتًا، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - من مشابهتهم.

(1) تاريخ الطبري: 4/ 227.

(2) يستن: قال ابن الأثير: استن الفرس يستن استنانًا: أي عدا لمرحه ونشاطه شوطًا أو شوطين ولا راكب عليه. ومنه حديث عمر:"رأيت أباه يستن ..."أي يمرح ويخطر به. النهاية: 2/ 410 - 411.

(3) الجهاد، لابن المبارك، ص 103 - 104، والحاكم في المستدرك: 3/ 205.

(4) تاريخ عمر بن الخطاب، لابن الجوزي، ص 98.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب جعفر، رقم 3709.

(6) انظر: الشرح الكبير، لابن قدامة: 5/ 589، وفتاوى ابن تيمية: 28/ 986، وكتاب"مختصر في فضل الجهاد"، لابن جماعة الحموي، ص 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت