فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 201

الأقوال:

القول الأول:

ذهب إلى أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد، حتى لو قتل مظلومًا، أو قتل وهو يدافع عن الحق، إلا من شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك [1] . ومن القائلين بهذا: الإمام البخاري -رحمه الله-، ورجحه الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله _.

وهذا القول فرق بين الإطلاق والتعيين، فأجاز إطلاق الشهادة على من قتل في سبيل الله، أو على الغريق لكن ليس على تعيين شخص بعينه.

واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:

1 -ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله» [2] .

وجه الدلالة: أن قوله:"والله أعلم ..."، أي أن هذا الحكم ليس على الظاهر، أن من كان يقاتل في حيز المسلمين أنه ممن يقاتل في سبيله، ويكلم في سبيله؛ لأنه قد يكون في حيز المسلمين ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، ويقاتل للمغنم، ولا يكون لأحد من هؤلاء هذه الفضيلة حتى يقاتل في سبيل الله [3] ، ولا يطلع على ذلك إلا بالوحي، فمن ثبت أنه في سبيل الله أعطي حكم الشهادة، ولا يعلم ذلك إلا من علمه الله، فلا ينبغي إطلاق كون كل مقتول في الجهاد أنه في سبيل الله [4] .

2 -وقد استدل لهذا القول أيضًا بما روى سهل بن سعد - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة [5] إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار» . فقال رجل من القوم: أنا صاحبه ... قال: فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه [6] بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه ... إلى

(1) المناهي اللفظية، لابن عثيمين، ص 78 - 80. وانظر فتاوى إسلامية، جمع محمد بن عبد العزيز المسند: 1/ 91، والقول السديد في أنه لا يقال فلان شهيد، جزاع الشمري.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، اللفظة الأولى"الله أعلم بمن يجاهد في سبيله"من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، كتاب الجهاد، باب فضل مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، رقم 2787، واللفظة الثانية"والله أعلم بمن يكلم في سبيله"من طريق الأعرج عن أبي هريرة، كتاب الجهاد، باب من يجرح في سبيل الله عز وجل، رقم 2803، وأخرجها البخاري بمجموعها في كتاب الجهاد، باب لا يقال فلان شهيد.

(3) المنتقى، للباجي: 3/ 205.

(4) فتح الباري: 6/ 106، بتصرف.

(5) الشاذ والفاذ: بمعنى المتفرق. انظر: النهاية: 2/ 453، 3/ 422.

(6) ذباب السيف: طرفه الذي يضرب به. النهاية: 2/ 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت