أن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» [1] .
وجه الدلالة: أن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا رجحان هذا الرجل في أمر الجهاد، فلو كان قُتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشهادة، وقد ظهر منه أنه لم يقاتل لله وإنما قاتل غضبًا لقومه، فلا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد، لاحتمال أن يكون مثل هذا [2] .
وبهذين الحديثين السابقين استدل البخاري [3] -رحمه الله- على هذه المسألة، فترجم لهما بقوله: باب لا يقول: فلان شهيد [4] .
وقد يستدل لهذا القول بما يلي:
1 -روى أبو هريرة - رضي الله عنه - حديث الغلام الذي كان يحط رحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه سهم عائر [5] فأصابه فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا ... » الحديث [6] .
وجه الدلالة: أن الناس قالوا: هنيئًا له الجنة على ما اعتقدوا من أنه شهيد، إذ قتل في خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - [7] ؛ فنفى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه ذلك لغلوله.
2 -أننا لو شهدنا لأحد بعينه أنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة، وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة، فإن من عقيدتهم أن لا ننزل أحدًا معينًا من أهل القبلة جنة أو نارًا إلا من أخبر الصادق - صلى الله عليه وسلم - أنه من أهل الجنة، كالعشرة رضي الله عنهم، وغيرهم؛ لأن حقيقتهم باطنة، وما ماتوا عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين [8] . ومن كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك -أي الجنة- ولا نشهد
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يقول: فلان شهيد، رقم 2898.
(2) فتح الباري: 6/ 106، بتصرف.
(3) هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم، البخاري، شيخ الإسلام وإمام الحفاظ، صاحب الصحيح، أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، كان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، رأسًا في الورع والعبادة. ولد سنة 194 هـ، وتوفي سنة 256 هـ. انظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي: 2/ 555.
(4) كتاب الجهاد، رقم الحديث 2798، وانظر: فتح الباري: 6/ 105.
(5) عائر: أي لا يعلم من رمى به.
(6) مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الغلول، رقم 25. والبخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم والزرع والأمتعة، رقم 6707.
(7) المنتقى: 2/ 203، بتصرف يسير.
(8) شرح العقيدة الطحاوية، ص 378، بتصرف.