فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 201

وجوه كثيرة، وكانت الأمور المقدرة عند النفس ليست كالأمور المحققة لها خشي أن لا يكون عند التحقيق كما ينبغي، فكره تمني لقاء العدو لذلك، ولما فيه من الخلل إن وقع للنفس من المخالفة لما وعد الإنسان من نفسه، ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة» [1] .

قال ابن حجر -رحمه الله-: «إن حصول الشهادة أخص من اللقاء، لإمكان تحصيل الشهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزه بكسرة الكفار، واللقاء قد يفضي إلى عكس ذلك، فنهى عن تمنيه، ولا ينافي ذلك تمني الشهادة، أو لعل الكراهة مختصة بمن يثق بقوته ويعجب بنفسه ونحو ذلك» [2] .

الإشكال الثالث:

أنّ قتل الكافر للمؤمن معصية في حق الكافر، مع أنها شهادة للمؤمن، فكيف يتمنى الإنسان الشهادة مع أن تسببها معصية؟ [3]

أو بمعنى آخر: أن الظاهر من الدعاء بالشهادة يستلزم طلب نصر الكافر على المسلم، وإعانة من يعصي الله على من يطيعه [4] .

الإجابة عن هذا الإشكال:

إن القصد الأصلي -من الشهادة- إنما هو حصول الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة، وليس ما ذكره مقصودًا لذاته، وإنما يقع من ضرورة الوجود، فاغتفر حصول المصلحة العظمى من دفع الكفار وإذلالهم وقهرهم بقصد قتلهم بحصول ما يقع في ضمن ذلك من قتل بعض المسلمين، وجاز تمني الشهادة لما يدل عليه من صدق من وقعت له من إعلاء كلمة الله حتى بذل نفسه في تحصيل ذلك [5] .

وتمني القتل في سبيل الله ليس تمنيًا للقتل من جهة أنه قتل، وإنما تمني من يثبت في القتال، فإن أتى القتل على نفسه كان ثوابه على تعرضه للقتل لا على نفس القتل الذي ليس من كسبه، فيجوز أن يتمنى الإنسان القتل من جهة كونه سببًا لنيل منازل الشهداء، لا من جهة كونه قتلًا ومعصية [6] .

(1) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: 4/ 224.

(2) فتح الباري: 13/ 237.

(3) قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام: 1/ 116. بتصرف.

(4) فتح الباري: 6/ 13.

(5) فتح الباري: 6/ 13.

(6) قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام: 1/ 116. بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت