فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 201

الدنيوي، فإن وجد الضُرَّ الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا» » [1] .

كما أن تمني الشهادة ليس تمنيًا مطلقًا للموت؛ إنما هو تمني من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه، فإذا وصل إلى ما ينبغي من نصرة الحق وإعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فبها ونعمت، وإلا فضل الموت في سبيل إعزاز الحق ورآه خيرًا من البقاء مع إذلاله وغلبة الباطل عليه [2] .

وقد يكون النهي عن تمني الموت من قبيل العام، ويخص منه تمني الشهادة؛ إعمالًا للأدلة الواردة بهذا الخصوص.

فسؤال الشهادة معناه: أن يكون موته شهادة، ليس فيه الضجر من الحياة النافي للصبر والاحتساب، وإنما الحرص على بذل الروح إرضاءً لله، ونصرة لدينه.

الإشكال الثاني:

أنّ تمني الشهادة قد يكون داخلًا في النهي عن لقاء العدو، وقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا» [3] . والشهادة لا يصيبها المسلم غالبًا إلا من لقاء العدو.

الإجابة على هذا الإشكال:

لا خلاف في أن قتال الكفار وجهادهم من أفضل القرب إلى الله تعالى، وللجهاد منزلة عظيمة، فهو سنام الإسلام، ولذا فإن تمني لقاء العدو إنما نهي عنه لحكم بينها العلماء، وهي:

أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهذا نظير سؤال العافية من الفتن، ويؤيده تعقيب النهي في رواية بقوله: « ... وسلوا الله العافية» [4] .

أو أن النهي كان لأجل ما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهذا ينافي الاحتياط وأخذ الحزم والحذر [5] المأمور به، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] .

قال ابن دقيق العيد [6] -رحمه الله-: «لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء وأصعبها على النفوس من

(1) فتح الباري: 10/ 133.

(2) تفسير المنار: 4/ 158، نقلًا عن شيخه محمد عبده.

(3) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا تتمنوا لقاء العدو، رقم 3026.

(4) فتح الباري: 6/ 181، بتصرف، ورواية"وسلوا الله العافية"أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب التمني، باب كراهية تمني لقاء العدو، رقم 7237.

(5) فتح الباري: 6/ 181، بتصرف.

(6) هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، أبو الفتح تقي الدين، الفقيه الأصولي، المحدث، له مصنفات نافعة، منها: الإلمام في الحديث وشرحه الإمام، وشرح عمدة الأحكام. توفي سنة 702 هـ. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: 2/ 229، والرد الوافر لابن ناصر الدين، ص 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت