تقر عيني بيوم فيه عز الإسلام وأهله، وذل الكفار وأهله. ثم اختم لي على أثر ذلك بالشهادة .. » [1] .
وفي رواية: « ... اللهم ارزق اليوم النعمان شهادة تنصر المسلمين وافتح عليهم ... » [2] .
ومما سبق إيراده من الأدلة يتضح جليًا أن الدعاء بالشهادة وتمنيها وطلبها أمر جائز لا حرج فيه ولا جُناح.
لكن ذكر العلماء إشكالات سوف نذكرها مع الرد على كل إشكال بما يبعد اللبس ويجلي الغموض -إن شاء الله تعالى-.
الإشكال الأول:
أن تمني الشهادة قد يكون من تمني الموت المنهي عنه، وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قوله: «لولا أني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تتمنوا الموت، لتمنيت» [3] .
والتمني للشهادة يستلزم الموت حتمًا، فيكون ذلك تمنيًا للموت.
الإجابة عن هذا الإشكال:
إن تمني الموت ليس منهيًا عنه على الإطلاق، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» [4] .
ففي هذا الحديث تصريح"بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض، أو فاقة، أو محنة؛ من عدو، أو نحو ذلك من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررًا في دينه، أو فتنة فيه؛ فلا كراهة فيه، لمفهوم هذا الحديث وغيره، وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم" [5] .
قال ابن حجر [6] -رحمه الله-: «وقوله: «من ضر أصابه» حمله جماعة من السلف على الضرر
(1) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، للحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي، ص 422.
(2) أخرجها الحاكم في المستدرك: 3/ 294، وسكت عنها هو والذهبي.
(3) أخرجه البخاري، كتاب التمني، باب ما يكره من التمني، رقم 7233.
(4) أخرجه البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، رقم 5671. ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، رقم 2680، كلاهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(5) شرح صحيح مسلم للنووي: 17/ 7 - 8.
(6) هو: الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، ولد سنة 773 هـ، إمام من أئمة الحديث، له عدة مصنفات، منها: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، والإصابة في تمييز الصحابة. توفي سنة 852 هـ. انظر: البدر الطالع: 1/ 87، معجم المؤلفين: 2/ 20.