فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 201

في طاعة الله ظالمًا ولا معتديًا، وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد [1] .

كما أننا لا نسلم بأن قتل الإنسان نفسه على هذا الوجه من قتل النفس المحرم، لأنه لا يقصد بذلك إتلافها، وإنما المقصود هو قهر الكفار والنكاية بهم، وهذا قصد موافق لمقاصد الشريعة التي فيها حفظ الدين، وإذا كان القصد موافقًا للشرع فإن القاعدة تنص على أن «الأمور بمقاصدها» [2] ، فيجوز هذا الفعل، لصحة مقصده شرعًا، ولأن قتل النفس في هذه الحالة ليس مقصودًا لذاته، وإنما يقع من ضرورة الوجود، فاغتفر ذلك لحصول المصلحة الكبرى من النكاية بالعدو وقهرهم.

الإشكال الثاني:

إن ما أجازه العلماء في مسألة الانغماس، يختلف حكمه في العمليات الاستشهادية، لأنه في مسألة الانغماس يتسبب في قتل نفسه، ويكون قتله بيد الكفار، أما في العمليات الاستشهادية فإنه يباشر قتل نفسه بيده.

الإجابة عن هذا الإشكال:

إن الانغماس في العدو انغماسًا لا ترجى معه حياة أو نجاة هو من قتل النفس بالتسبب، حيث أنه نصب نفسه في محل يقتضي قتلها وإتلافها، وقد ذهب الجمهور [3] إلى أن قتل الغير بالتسبب يأخذ حكم قتله بالمباشرة.

ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مسألة الإكراه على القتل أن المتسبب كالفاعل، فقال: «فليس لأحد أن يقتل غيره ليحيي هو نفسه، بل هذا ظلم وعدوان، وهو موجب للقود على المكره والمكره في مذهب أحمد، والمشهور في مذهب الشافعي لاشتراكهما في الفعل، هذا بالمباشرة المحرمة، وهذا بالتسبب المفضي إلى الفعل غالبًا ... » [4] .

ونصوص الشرع دلت على أن من تسبب في قتل نفسه فهو كمن قتلها، ومن ذلك:

1 -ما روي عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: «احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل [5] ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا عمرو

(1) فتح الباري: 12/ 331، نقلًا عن المهلب.

(2) انظر: الأشباه والنظائر، للسيوطي، ص 38.

(3) مواهب الجليل: 6/ 232، شرح الزرقاني على مختصر خليل: 8/ 9، مغني المحتاج: 4/ 6، نهاية المحتاج: 7/ 253، المغني: 11/ 455، المبدع: 8/ 244، وما بعدها، كشاف القناع: 5/ 507، وما بعدها، وانظر التشريع الجنائي، لعبد القادر عودة: 2/ 135.

(4) الاستقامة: 2/ 324.

(5) السلاسل: ماء بأرض جذام، سميت به غزوة ذات السلاسل، وضبطها ابن الأثير بالضم"السلاسل"، وضبطها عبد المؤمن بن عبد الحق بالفتح"السلاسل". انظر: النهاية: 2/ 389، مراصد الاطلاع: 2/ 724.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت