فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 1052

بسم الله الرحمن الرحيم

س. برزت بعد ما يسمى بالربيع العربي ظاهرةُ الاعتصامات والمسيرات والمظاهرات، وانقسم أبناء هذا التيار ما بين مؤيد يرى مشروعيتها ومعارض مبدِّع لها منكر على أهلها؛ فما قولكم في ذلك؟

جـ. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالذي أراهُ أن المعارضين لمثل هذه الوسائلِ خصوصًا مع ضوابطها الشرعية -التي سنأتي على ذكرها- هم أناسٌ يتنزَّه غلاةُ الظاهرية عن جُمودهم وقصر نظرهم في الشرع والواقع، وهم طائفةٌ قعد بهم فقههم العاميُّ السطحيُّ عن تأمُّل الواقع ومعرفة مقاصد الشرع وإعطاء الوسائل حجمَها الحقيقيَّ وكونها خادمًا للغاياتِ وأن الغايات هي أشرفُ المهمات.

ولقد كانت أثيرت قبل ما يُسمى بالربيع العربي بمدة واطلعتُ على ما كُتب فيها سابقًا ما بين مؤيد ومعارض بين إفراط وتفريط؛ فمن الناس من فتح الباب على مصراعيه، ولم يراعِ فيها الضوابطَ الشرعية، فذاب هو ومن تابعه في الطرائق الجاهلية والسبل المعوجة ولم يأبه بتشويه التوحيد وتغبيش العقيدة كون منهجه في الأصل مشوهًا وعقيدته مغبشة، أما المعارضون لها فجلُّهم كان من علماء السلاطين وكُهان الحكام وفقهاء المارينز الذين كان همُّهم حماية أنظمة أولياء نعمته من كل ما يزعزعها أو يزعجها ويقلقلها أو يُقلقها، ولذلك بادروا إلى الفتوى ببدعية هذه المظاهرات والاعتصامات والمسيرات وجعلوها من هَدي الكفار فحرَّموها بناءً على حُرمة التشبُّه بالكفار، والعجبُ العجاب من هؤلاء النوكى! لماذا لا يذكرون التشبه بالكفار في مثل هذه الأبواب إلا عندما تكون معارضةً لأنظمتهم موجهةً ضد ظلماتها؟ أما عندما تكون ضد أنظمة أخرى تعاديها أنظمتهم فلا يُذكر عندها التشبُّه بل هُم ما بين السكوت عن ذلك والإعراض عنه وعدم معارضته ما دام وليُّ نعمتهم لم يضغط على (زر) الإنكار الذي يتحكم به ويُسيِّرهم ويحكمهم به، وبين مباركته وتأييده وتسويغه والحث عليه ما دام يناسب مصالح ساداته وأولياء نعمته.

فهؤلاء العلماءُ العملاءُ قد صاروا مطية لأنظمتهم، سخَّروا فقههم لسياساتهم وشهروا سيوف الأدلة والبراهين لنصرتهم لا لنصرة الشريعة والدين، فخانوا الدين فضلُّوا وأضلُّوا.

ولدينا طائفة وافقتهم بالنتائج الفقهية وإن لم توافقهم بالمقاصد الخبيثة والإرادات الرديّة، فساهموا بإراحة الأنظمة الطاغوتية من رهاب هذه المظاهرات وقلاقلها، وأعانت على صف حشودها وأتباعها بالإفتاء ببدعيتها من منطلقات الجمود الفقهي وقصر النظر الذي يوافق هوى النفس ويتماهى مع السلامة من الأذى والمساءلة والاعتقال، وكم من فتوى يكون دافعها ومحركها ومحمسها ذلك وإن أنكر صاحبها وجادل في ذلك ومارى، ويتبيَّن ذلك عندما تراهم على النقيض من تقعيدهم هذا يوافقون على أشياء ويؤيدون أمورًا لا تخرج عن تقعيدهم المتعنت لو أنهم التزموه، لكنهم وافقوه وأيَّدوه لما جاء موافقًا للهوى متناغمًا مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت