السلامة الشخصية، فكيف إذا صدَّق ذلك التاريخ الشخصي لهؤلاء المفتين ونهجهم المؤكد لهذا التصور والتحليل.
وأذكر بين يدي إجابتي هذه أننا عندما نُقلنا سابقًا إلى سجن ضيق صغير خُصِّص لسجناء القضايا الأمنية وكان خليطًا من أفراد حزب التحرير وبعض المنتسبين للإخوان وآخرين تورطوا في قضايا أمن دولة ليس لهم انتساب تنظيمي وبعض من ليس لهم دخل بالتوجه الإسلامي، زج بالجميع معًا في هذا السجن الذي لم يكن فيه إلا ثلاث كبائن للزيارة، فكان المطلب الأول للجميع زيادة عدد الكبائن ليتيسر أمر الزيارات، فوعدت الإدارة بذلك إلا أنهم بيَّنوا أن هذا الأمر يحتاج إلى شهرين أو أربعة -لا أذكر الآن تحديدًا- حتى يتم تجهيزها وزيادتها على أصل البناء القديم، فأبى الأكثرون وردوه حالًا ثم اتفقوا على الامتناع عن الزيارة كوسيلة سلبية للضغط على الإدارة لتعجيل استجابتها لمطلبهم، وكانت الآلية التي اتفق عليها السجناء على تباين مشاربهم الفكرية أن يترك الزوارُ الأهالي عند المناداة على أسمائنا ينتظرون دون أن نخرج لهم كي يضجوا ويتضايقوا ويذهبوا إلى المسؤولين ويطالبوا بإصلاح هذا الأمر.
ووافق الجميع باستثنائي أنا حيث رأيتُ أن ذلك معصية لا يجوز موافقة الأكثرية عليها، وأعلمتُ الإخوة باختياري وبأني إن زارني أحد والديَّ فلن أعاملهما بهذه الطريقة، فديني لا يسمح لي بأن أجعل أعصاب والدي مطية لرغباتي الدنيوية، ولا يليق بنا أن نحرج آباءنا ونعرضهم للوقوف بين يدي المسؤولين يستجدونهم من أجلنا ونحن ما سُجنَّا إلا لأجل ديننا وجهادنا، وكيف أرضى أن تقطع والدتي المسافة بين بيتي وسجني ثم أتركها تنتظر حائرة، لماذا لا ألبي نداءها؟ هل أنا مزنزن أم معذب أم ماذا؟
وأذكر هنا حديث قصة (جريج العابد) ودعاء أمه عليه لما لم يستجب لندائها وهو في صلاته وابتلاءه باستجابة دعائها لولا أن عصمه الله ونجَّاه في خاتمة المطاف، فكيف بمن ليس في صلاة ولا مانع شرعي من الاستجابة؟! ونبَّهت إلى أنهم يجارون بذلك من يسمونهم بالمبتدعة في أمر لا يليق بنا كموحدين متميزين عنهم، وكتبت وقتها ورقاتٍ حول المقاومة السلبية ذكرت فيها اجتهادي وضوابطي لهذا الأمر نصحت فيها لإخواني ولا زالت موجودة إلى الساعة ضمن أوراقي القديمة، ومحل الشاهد من هذا أمران:
الأول: أن يعرف القارئ لإجابتي هذه أنني لا أفتح الباب على مصراعيه في هذه المسألة، بل لديَّ ضوابط شرعية سأذكرها، ولا حرج عندي من مخالفة الناس أجمعين متابعة للحق ونصرة للدليل.
الثاني: أن أذكر أن من بين المؤيدين لهذا الأمر آنذاك أناسي كانوا خارج السجن ويرقِّعون له، هم اليوم من أشد المعارضين للاعتصامات والمظاهرات التي تخلو من أي مخالفة شرعية ويطعنون في إخواننا القائمين عليها.
وبعد هذه المقدمة أقول باختصار: