فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 1052

(إن أي وسيلة من الوسائل القديمة والحديثة يمكن أن تعمل على إسقاط شيء من أنظمة الكفر أو تضعضعها أو تركِّعها أو ترعبها أو تخوِّفها لتجعلها تتخلى عن بعض المظالم أو تتنازل عن بعض المفاسد وتتراجع عن بعض الكفريات؛ فهي وسيلة مشروعة، تندرج تحت عموم أدلة الشرع الموجبة لمنازعة الولاة والقيام عليهم حال إظهارهم الكفر البواح، والآمرة بتغيير المنكر ونحوها، ما لم تتضمن تلك الوسيلة كفرًا أو معصية أو تعارض نصًّا شرعيًّا آخر فننتقل ساعتها إلى الترجيح بين المفاسد فندفع أعلاها باحتمال أدناها) .

-فيدخل في قولنا (القديمة) : كل أنواع الوسائل القديمة من السيوف والرماح والسهام والمنجنيق أو الخطابة والكتابة والشعر والتحريض والهجاء وحروب الإنهاك والاستنزاف والحصار الاقتصادي والحرب الإعلامية وبث الإشاعة، وكذلك طرق الخروج والثورة على الحكام بصورها وكيفياتها القديمة وما كان من سياسة شرعية وتكتيك وتحالفات مشروعة وأولويات ونحوها مما يؤيد ذلك ويعين عليه.

-ويدخل في قولنا (الحديثة) : الانقلابات على الحكم بالقوة أو الثورة المسلحة وقتال التحرير، بل وقتال النكاية المتواصل الذي يمكن أن يتحوَّل إلى حرب استنزاف تنهك النظام أو إدارة التوحش وحرب العصابات والمستضعفين، كما يدخل العصيان المدني والمظاهرات والتحشيد والإضرابات عن العمل التي تشل أركان النظام وتضعضعه.

-ويخرج بقولنا (مالم تتضمن تلك الوسيلة كفرًا) كل وسيلة كفرية كالمشاركة في الحكم بغير ما أنزل الله، أو إظهار النصرة والموالاة للطواغيت أو الكفار، وكذلك الوسائل الشركية كالمشاركة في التشريع والقسم على احترام الدساتير والقوانين الكفرية ونحوه؛ فهذه المفاسد هي أعظم المفاسد على الإطلاق، وأصول الشريعة جاءت لنقضها وإبطالها ولا يمكن أن يكون في شيء من ذلك مصلحة حقيقية معتبرة أو وسيلة مشروعة، ولا مجال لترجيحها على شيء من المفاسد، لأنها أعظم المفاسد كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} وفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ فقال: (أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك) ، وفي الحديث الذي يرويه ابن ماجه عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشرك بالله وإن قُطِّعت وحُرِّقت) فهذا هو الأصل والأفضل والأعلى إلا أن يشاء الأخذ بالرخصة في حالة الإكراه الحقيقي والقلب مطمئن بالإيمان.

-ويخرج بقولنا (أو معصية، أو تعارض نصًّا شرعيًّا آخر .. إلخ) ما كان من الوسائل يتخلله منكر أو معصية لا يمكن الانفكاك عنها أو التحرز والاستبراء منها، نحو عقوق الوالدين أو أذاهما في قصتنا الآنفة، أو كرفع أعلام الجاهلية أو صور الظالمين والكفار أو غناء فاسد أو جاهلي أو موسيقى أو تبرج أو اختلاط ونحوه من المنكرات، فتحرم هذه الوسائل لا لعينها لكن لما يصاحبها من منكرات، إلا أن تكون المفسدة المتحقق دفعها بهذه الوسيلة أعظم شرًّا على الإسلام وأهله من تلك المعاصي فها هنا معترك الفقهاء المرجحين وفقه العلماء المحققين ممن استنارت قلوبهم بمقاصد الشريعة وأصولها وضرورياتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت