فهرس الكتاب
وأذكر هنا سريعًا بعض ما يحضرني الساعة في سجني من أدلة تؤصِّل لهذه القاعدة وتؤيدها وتدلُّ عليها:
-فمن ذلك قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} وتأمَّل الصيغة الجماعية للآية؛ فإن العمل الجماعي المنظَّم أعظم أثرًا في تحقيق هذه الخصال التي تزكِّي الأمة وتجعلها خير الأمم.
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر آثارًا في المقصود بخير أمة هنا: (والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه) اهـ
وقد بيَّن الله تعالى في الآية أركان أو أسباب هذه الخيرية بثلاثة أمور: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله. وجاء بها بالصيغة الجماعية لأن العمل الجماعي يحبه الله تعالى كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} ولا شك أن من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الجماعية في زماننا هذا؛ الثورات والمظاهرات والاعتصامات التي تعمل على إسقاط أنظمة الكفر أو تضعضعها أو تُرعبها وتدفع بعض ظلماتها. فإن عجز المسلمون عن الثورة المسلحة التي تقتلع هذه الأنظمة في وقتٍ من الأوقات وتمكَّنوا من تحقيق ذلك أو بعضه من خلال ثوراتٍ غير مسلحة فلا أقول يجوز ذلك لهم بل يجب وجوبًا وذلك للقاعدة المعروفة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
-ومثل ذلك قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وهذا تأكيد على أهمية العمل الجماعي (أُمَّةٌ) فيقال في هذه الآية كما قلنا في التي قبلها، ونزيد فائدة: إن هذا يكون من الجهاد في سبيل الله، وأهله القائمون به من المجاهدين في سبيل الله ومن أخصِّ المفلحين؛ يدل على ذلك تأملك للآية وكيف وصف الله تعالى فيها الأمةَ القائمةَ بهذه الفريضة بأنهم من أخصِّ المفلحين وهي صفةٌ قرنها الله بأهل الجهاد كما في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . بل المدح في تلك الآية جاء بصيغة أخص في الفلاح كنحو قوله تعالى في المجاهدين الأولين من المهاجرين والأنصار مع رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وهذه فائدة من ثمرات تأملاتي السجونية التي دوَّنتُ كثيرًا منها على هامش مصحفي، وهي تدلُّ دلالةً واضحةً على أن الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر بصورة جماعية بكافة أشكاله المشروعة هو من الجهاد في سبيل الله، وأهله من خواصِّ المجاهدين المفلحين؛ لأن صيغة (أولئك هم المفلحون) من الصيغ القوية التي تفيدُ التوكيدَ والقصد خصوصًا مع الإتيان بضمير الفصل (هم) بين المبتدأ والخبر وتعريف (المفلحون) ، فكأنه يقول: أولئك لا غيرهم هم أولى الناس وأخصهم بالفلاح إلى حده الأقصى، فكيف إذا كانت الغايةُ من إنكار المنكر والخروج هو إسقاط وهدم الشرك