فهرس الكتاب
وقد كنتُ أتدارسُ هذا مع بعض أصحاب السجن وتطرَّق الحديثُ حول الاعتصامات والمظاهرات، وذكرتُ هذا المعنى ثم سألتهم قائلًا: لو أن شعبًا من الشعوبِ احتشدوا في صعيدٍ واحدٍ فبالُوا على الطاغوت الظالم الحاكم بغير ما أنزل الله حتى أغرقوه ببولهم وأهلكوه؛ أترون أنَّ فعلهم هذا مشروعٌ ويَدخل في تغيير المنكر باليد؟ فقالوا: نعم مشروعٌ ويدخل تحت تغيير المنكر باليد، كذلك لو بصقوا عليه حتى أهلكوه.
قلتُ: فما بالُ الثورات والمظاهرات والاعتصامات ونحوها ليست كذلك إن كانت تؤدي إلى مثل ذلك أو تعين عليه؟!
-ولذلك يُستدَل هنا أيضًا بكل دليل يدل على مشروعية منازعة الحكام حال أظهروا الكفر البواح بكل ما يُقدَر عليه ويُستطاع من أساليب المنازعة وأدواتها، كحديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليُسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم) .
ففيه مشروعية منازعة الحكام المتولين للحكم بولاية شرعية وطريقة مرضية إن هم أظهروا الكفر البواح، ويدل بدلالة الأول على مشروعية بل على وجوب منازعة الحكام الجبريين والطواغيت المتسلطين الذين لم يشموا رائحة الإسلام قط ولا تولوا ولاياتهم بطريقة شرعية، ويمكن أن يُراجع هذا في كتاب الغياثي (غياث الأمم في التياث الظلم) للجويني، الذي جوَّز فيه الثورة على الحاكم في حال عطَّل الحدود وأضاع الحقوق وأظهر الخيانة وظلم الرعية، وقد وجَّه فيه القائمين بذلك إلى أن يقودهم فيه رجلٌ مُطاع ذو أتباع وأشياع. والكتاب ليس معي في سجني.
-وعدم مقدرتنا منازعةَ الطواغيت بقوة السلاح في مرحلة لا تُسقطُ عنا منازعتهم إن قدرنا عليها وصارت متيسرة بصورة من الصور بشيء دون قوة السلاح؛ لأن المقدورَ والميسورَ لا يَسقطُ بالمعسور.
-ومثل ذلك إعلاننا براءتنا الجماعية منهم ومن قوانينهم ودساتيرهم الكفرية، وإظهارنا الكفر بهم وبمحاكمهم ومناهجهم الفاسدة، كل ذلك إن قمنا به وأعلناه جماعيًّا وحشدنا له الحشود نقضُّ بها مضاجع الطاغوت وأوليائه؛ إن فعلنا ذلك فنحن مُتَّبعون لا مبتدعون، وعلى ملة إبراهيم ومن معه وليس على هدي المشركين، قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وتأمل (إِذْ قَالُوا) ، (بُرَءاؤا) ، (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء) فكل ذلك يعرِّفك بأن الأفضلية للعمل الجماعي والبراءة الجماعية، وأن أعلى المراتب فيه قولُه وإبداؤه وإظهارُه وإعلانه لا إخفاءه وكتمه.