فهرس الكتاب
ولو لم يكن في هذه الاعتصامات والحشود إلا أن تُستغل كباب وطريق لإظهار هذه الملة العظيمة وإشهار هذه الدعوة النقية وإبداء هذه البراءة والعداوة لهم ولقوانينهم لكفى بذلك سببًا لجعلها من أحسن الأقوال والأفعال والطرائق سواء صاحبها مطالب شرعية أو دنيوية أم لم يصاحبها، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .
-ويؤيد ذلك حديث مسلم عن عوف بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ... شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم) الحديث، ففيه مشروعية التظاهر والتعاون والتآزر والعمل على حشد الحشود لإظهار بغضنا وبراءتنا من شرار الحكام (الطواغيت) وإعلان وإبداء كل ما يدعو الناس إلى بغضهم ولعنهم والبراءة منهم ويحثُّ الناس ويحرضهم على عداوتهم والكفر بهم سواء من ذِكر وتعديد كفرياتهم وظلماتهم وفضح مؤامراتهم وتسفيه أحلامهم وقوانينهم والحطِّ من قدرها وبيان تناقضها وتهافتها وتضييعها للمصالح والحقوق فكل ذلك يندرج تحت بغض شرار الأئمة (أئمة الكفر) ولعنهم وعداوتهم والتحريض عليها، وما دام كذلك فينبغي أن يحرص عليه الدعاة والمجاهدون ويكثروا من استعماله.
-ويؤيد ذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد وأبو داوود والنسائي وغيرهم عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) ففيه أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بجهاد المشركين بكل وسيلة مستطاعة وممكنة ومتيسرة وأن الأمر ليس موقوفًا على جهاد النفس والمال بل للسان جهادٌ أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وتنبَّه إلى أن الخطاب في هذا الحديث جماعيٌّ، فأي حرج لاستجابة أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وحشد الحشود لجهاد مشركي القوانين بالتظاهر باللسان عند من عجز عنه بالنفس أو المال أو لم يصل إلى مرحلته بعد.
-وروى الإمام أحمد عن كعب ابن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه) .
-ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحسان ابن ثابت: (اهج قريشًا فإنه أشد عليهم من رشق النبل) متفق عليه من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. وأذكر هنا بأن النبل والسهام كانت من أعظم وسائل القوة والقتال والنكاية في زمانهم كما يبيِّنه حديث مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) ومع ذلك يبيِّن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في قوله لحسان أن الكلمة في الهجاء أشدُّ وأنكى على بعض المشركين من أقوى أنواع القوة والسلاح، وأن الرماية بها أشد أنواع الرماية التي تؤذي وتضعضع الأعداء وتخيفهم وتخزيهم، خصوصًا إن رافقَ ذلك تعرية لباطلهم وتسفيه لأحلامهم وفضح لطواغيتهم ومخططاتهم وكذبهم وخياناتهم، ولذلك وجَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- حسانًا أن يأتي أبا بكر قبل أن يهجوهم ليعرفه أبو بكر على أسرارهم ونقاط ضعفهم وتفاصيل أنسابهم