فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 1052

ليكون هجاؤه أنكى وأشدَّ عليهم، وليتجنب مساس ما يقرب من النبي -صلى الله عليه وسلم- من حسب أو نسب.

وهذا كله يعلمنا ويدلنا على أن الاهتمام بمثل هذه الجوانب والتخطيط لها والإعداد هو من الجهاد والرمي المحمود، ولا يعيبه على الموحدين أو يعيِّرهم باستعماله إلا جاهل في هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته الذي لم يكن يتخلى عن ذلك شعرًا من خلال بعض أصحابه أو نثرًا وخطابة وتحريضًا أو هتافاتٍ يعلِّمها لأصحابه كما فعله بعد أحد ردًّا على الكفار وإغاظة لهم لما أمرهم أن يجيبوا هتاف المشركين لطواغيتهم بهتاف: (الله أعلى وأجل) و (الله مولانا ولا مولى لكم) .

-ويعرفه بقيمة جهاد الكلمة واللسان، وبأنه لا يقل عن جهاد السنان، بل يكون من أفضل أنواع الجهاد وأعظمها في بعض الأحيان؛ حديث أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) رواه الترمذي، وتأمل ودقق في قوله: (من أعظم الجهاد) وفي رواية في مسند أحمد وغيره: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وتأمل الإطلاق هنا قوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد) وإياك أن تمر على مثل هذه الأحاديث مرورًا سطحيًّا دون أن تدقق بهذه الأفضلية وتلكم الأعظمية لتوسِّع مداركك للجهاد الذي يدخل فيه القتال والرمي بمختلف أنواع السلاح، ومن ذلك سلاح الكلمة الذي ربما يكون في بعض الأوقات والظروف أشدَّ وأنكى من السهام والرصاص والقذائف والمدفعية، وقد وضَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في (الصارم المسلول على شاتم الرسول) وهو يتكلم عن أسباب عفو النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كثير ممن قاتله بالسنان وعدم عفوه بل إهداره دم من هجاه بالشعر أو حرَّض عليه باللسان أو غنَّى لذلك ولو كان امرأة، حيث قرَّر أن الأذى باللسان يكون أحيانًا أنكى وأشد أذى من السنان ولما في ذلك من التحريض والتجييش والتحشيد، وكتاب الصارم ليس معي الآن في سجني إذ لم يوافق أعداء شيخ الإسلام على إدخاله.

-وليس غريبًا بعدما تقدم أن يكون من سادات الشهداء أناسٌ سلاحهم الطعان بواسطة الأمر والنهي والمبارزة بالكلمة والصدع بها إن لم يتيسر لهم السيف والنبل والمدافع والقذائف، حيث روى الحاكم وغيره عن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) .

-ولذلك جاءت روايات حديث الطائفة المنصورة متنوعة تذكر تعدد وظائفهم ولا تحددها بالقتل وحده. بل ورد القتال في ألفاظ كنحو قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث مسلم عن جابر بن عبد الله: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) كما ورد القيام والظهور عامًّا في ألفاظ أخرى ثابتة أيضًا ليدخل فيها كل نوع من أنواع نصر الدين تقوم به هذه الطائفة في كل زمان سواء كان بالسنان أو باللسان أو بالخطابة أو بالكتابة، فعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت