فهرس الكتاب
كذلك) رواه مسلم، وفي مسلم أيضًا عن معاوية -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) وقوله: (ظاهرون) يذكرك بما قدَّمناه من أن إبداء العداوة وإظهار البغض وإعلان البراءة من المشركين وشركياتهم هي من هدي أسوتنا إبراهيم والذين معه الذي كان المشركون يصفونه بقولهم {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} . وكان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يتأسّى بهذا الإظهار كما أمره الله تعالى ولذلك جاء نفس الوصف في السورة نفسها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- في وصف الطائفة المنصورة: (قائمة بأمر الله) فإنه يذكر بحديث بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألاّ أخرّ إلا قائمًا) وبالحديث المتقدم: (ورجل قام إلى إمام جائر) ويذكر بقوله تعالى عن صدع الفتية من أهل الكهف بتوحيدهم حيث عبر عن ذلك بقوله تعالى: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} .
-ومما يستدل به على ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ... } ووجه الدلالة أن تنكير كلمة (قوة) ودخول حرف (من) عليها يفيد العموم فيستغرق ذلك كل نوع من أنواع القوة لا يجوز إخراج نوع منه إلا أن يمنع منه دليل خاص، فكما أدخل الفقهاء المعاصرون في ذلك كل الأدوات والعلوم العسكرية المعاصرة من قنابل ودبابات ورشاشات وراجمات وبارجات وطائرات وتكتيك وحرب عصابات وغيره؛ فيدخل فيه كذلك كل قوة قد تُخيف الطاغوت أو تسقطه أو تضعفه أو ترهبه وتردُّ بعض كفره وظلامته أو تخفف منها كالثورات المسلحة وغير المسلحة والمظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني ونحوه مما يندرج في عموم القوة أو الرعب أو الترهيب أو الإرهاب الذي يمكن أن يُدفع به الطواغيت أو تسقط به أنظمتهم أو تضعف أو تخوف لترد عن بعض ظلماتها وباطلها.
-وفي الحديث الذي يرويه البخاري عن جابر بن عبد الله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر ... ) الحديث، فإذا كانت الحشود الكثيرة والمظاهرات والاعتصامات قد ترعب الطواغيت أو تسقط أنظمتهم أو تضعفها أو تضعضعها فهي من القوة التي تُعد وتُحشد للطواغيت ومن الوسائل المشروعة التي يُدفعون ويُجاهدون بها.
-وقد استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- بث الرعب في العدو من خلال عرض الحشود، ففي فتح مكة أمر -صلى الله عليه وسلم- بعرض القبائل بعددهم وحشودهم على أبي سفيان وهو سيد قريش قبيل الفتح (فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم كتيبة كتيبة على أبي سفيان) وأبو سفيان مذهول يسأل العباس: من هؤلاء من هؤلاء؟ فهذا العرض المنظم والحشد المهيب بإظهار القوة بقمع الأعداء جعل أبا سفيان يسلم للفتح كالأمر الواقع ويخذل قومه ويدعوهم لطلب الأمان بدلًا عن المقاومة فقد كان أسلم