فهرس الكتاب
للتو فجعله النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا العرض كالرسول المخذل إلى قريش لما رأى هذه الحشود وانبهر بها، فجعل يدعو قريشًا لدخول بيوتهم طلبًا للأمان، الشيء الذي سهَّل الفتح وضعضع قريشًا وأخافها وأمات مقاومتها.
-بل قد استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- مثله قبل الفتح، ففي أواخر السنة السابعة من الهجرة حين دخل مكة في عمرة القضاء في قرابة الألفين من أصحابه سوى النساء والصبيان، جعل هو وأصحابه يرفعون أصواتهم بالتلبية، ودخل عبد الله بن رواحة آخذًا بزمام راحلته -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله يرتجز قائلًا:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله ...
يا رب إني مؤمنٌ بقيله ... أعرف حقَّ الله في قبوله ...
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
وكان المشركون قد أطلقوا إشاعةً بأن المسلمين قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى واضطبعوا بإظهار العضد الأيمن فوق الرداء كي يرى المشركون قوتهم وصحتهم بذلك إذ أنهم لم يكونوا يحملون السلاح إلا السيوف في أغمادها بحسب الشرط الذي اشترطته قريش، فكان لإظهار ذلك النشاط والرمل والقوة والعافية ما جعل قريشًا تهابهم ولا تتعرض لهم وتفي بوعدها بالتخلية بينهم وبين البيت دون غدر أو نكث لما رأت من همتهم ورملهم وقالوا: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
فكان ذلك التكتيك كله كي يُلقي -صلى الله عليه وسلم- الرعب في قلوب أعدائه فيأمن من شرهم ويكفوا بأسهم ويتقي غدرهم به وبأصحابه، وقد كان له صلى الله عليه وسلم.
-ومما يُستدل به أيضًا عموم قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فكل ما يندرج تحت التعاون والتناصر والتعاضد لأجل تحكيم شرع الله وإقامة دين الله أو مناصرة المستضعفين وفك الأسارى تطبيقًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني) ، أو يكثف الجهود ويحشد الحشود لتحقيق ذلك أو يرضى على إنكار باطل الطواغيت والبراءة ويدعو إلى القيام عليهم وإظهار عداوتهم وتسفيه طواغيتهم وفضح مخططاتهم؛ فالتعاون في ذلك جماعيًّا مأمور به داخل تحت عموم هذه الآية.
-وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... } الآية، فمهما استعنا أن ننتزع الحكم والأمانة ممن تسلط عليها من الطواغيت ونردها إلى أهلها الذين يقومون بها كما أمر الله فذلك