فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 1052

وهذا كله من التأويل الجائز الذي وسع فيه الشارع؛ بل لو اضطر في مثله إلى الكذب الصريح لما كان عليه من حرج لأنه لا يجوز له أن يسلم نفسه أو أهله أو إخوانه لأعداء الله ويسلطهم عليه يفعلون به ما شاؤوا ..

فهو إما أن يندرج تحت قاعدة الضرورات تبيح المحظورات أو قاعدة دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما ..

الثالث: أن لا يكون ظالما ولا مظلوما ولكن يحتاج إلى ذلك.

فهذا لا يحل له الكذب الصريح ولكن يتأول ويستعمل المعاريض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المعاريض لمندوحة عن الكذب) يعني أن سعة المعاريض التي يوهم بها السامع غير ما عناه؛ تغني الإنسان عن الكذب الصريح، وقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (باب المعاريض مندوحة عن الكذب) وذكر قصة موت ابن أبي طلحة وقول أم سليم لما سألها عن حال الغلام وقد كان مريضا: (هَدَأ نَفَسُه وأرجو أن يكون قد استراح) ..

وروي أن مهنا كان عند الإمام أحمد هو والمروذي وجماعة فجاء رجل يطلب المروذي ولم يرد المروذي أن يكلمه، فوضع مهنا إصبعه في كفه وقال: ليس المروذي ههنا. وما يصنع المروذي هنا؟؟ يريد ليس هو في كفه .. فلم ينكر ذلك الإمام أحمد.

وروي أن مهنا فعل مثل ذلك أيضا مع الإمام أحمد من باب حرصه على سماع الحديث أو استعجاله في ذلك، فقال له مرة: إني أريد الخروج - يعني السفر إلى بلد، وأحب أن تسمعني الجزء الفلاني، فأسمعه إياه، ثم رآه بعد ذلك فقال ألم تقل أنك تريد الخروج؟ فقال له مهنا: قلت لك إني أريد الخروج الآن؟؟ فلم ينكر عليه.

وروى سعيد عن جرير عن المغيرة قال: كان إذا طلب إنسان إبراهيم ولم يرد إبراهيم أن يلقاه خرجت إليه الخادم وقالت: إطلبوه في المسجد.

ويدل على صحة ذلك كله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول في مزاحه إلا حقا، ومزاحه أن يوهم السامع بكلام غير ما عناه وهو التأويل.

فقال لعجوز مرة: (لا تدخل الجنة عجوز) ثم بيّن أن المعنى أن الله تعالى ينشئهن أبكارا عربا أترابا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت