فهرس الكتاب
قوله تعالى: (( فاصدع بما تأمر وأعرض عن المشركين ) )فأظهر دعوته وتأسى بأبيه إبراهيم وملته عليه السلام في إظهار الدين ولم يستأذن أحدا من المشركين في ذلك ولا طلب منهم ترخيصا للدعوة إلى الله؛ ولو أنه فعل لما أذنوا له أصلا، لأن أصل دعوته كان قائما على إظهار البراءة منهم ومن طواغيتهم والكفر بها وتسفيهها وهذا هو الأصل في دعوة الأنبياء والمرسلين وملة إبراهيم عليه السلام وهو السبيل الأمثل لنصرة دين الله وإظهار توحيده إن كنت تسأل عنه ..
لكن أستدرك فأقول مع هذا فقد ثبت سعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن الاستضعاف في البحث عمن يأويه وينصره ليبلغ رسالة ربه فكان يعرض نفسه على القبائل في منى وعكاظ والموسم، وذهب إلى الطائف بحثا عمن ينصره، وقبل الدخول في جوار المطعم بن عدي لما رجع منها، لكنه لم يكن يوقف دعوته على ذلك أو ينتظر حتى يجد النصير أو المجير؛ بل كان قائما بالدعوة أثناء استضعافه وقبل أن يجد النصرة والمأوى الآمن للدعوة في المدينة، ولذلك أوذي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه وابتلوا قبل هجرتهم وأخبارهم معروفة مشهورة في ذلك ..
فإن كان من يقوم بتأسيس مثل هذه الجمعيات يحتج بشيء من هذا ويتأوله فيبحث عما يعينه على القيام بنشاطاته الدعوية من ترخيص أو سند أو عشيرة أو نحوها ويستعين به في دعوته ونشاطاته دون أن يقع بمخالفات أو تنازلات شرعية فأرجو أن لا حرج عليه في ذلك لأنه مجتهد في هذا الباب بل أرجو له الأجر والمثوبة مادام ينصر بذلك دين الله ويسعى لنشر الدعوة من خلاله ..
فنحن وإن كنا لا نتحمس لهذه السبل أو نختارها أو نعمل من خلالها؛ وندعوا دوما لأن تكون الدعوة والجهاد على منهاج الأنبياء والمرسلين وعلى وفق ملة أبينا إبراهيم من إعلان البراءة وإظهار العداوة لأعداء الدين ولشركياتهم وباطلهم كما قد فصلناه في كتابنا ملة إبراهيم، ومثل هذا لا تأذن به وبدعوته الحكومات ولا تمنحه تراخص الجمعيات ..
فالشأن فيه كما قالها ورقة بن نوفل في فجر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد فهمه وعرفه من سيرة الأنبياء (لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي) ..
ولكننا مع هذا لا نتعنت ولا نشدد أو نضيق على غيرنا، فليس كل أحد يقدر على إظهار دينه وإبداء العداوة للطواغيت وشركياتهم وسلوك هذه الطريق الواضحة البينة الصريحة في الصدام مع أعداء الله وقوانينهم وكفرياتهم، ومادام القائمون على مثل هذه الجمعيات يسددون ويقاربون ويتحرون الدعوة على منهاج أهل السنة والجماعة كما ذكرت في السؤال